يقول الحق جلّ جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم، في أول الوحي: {اقرأ باسم ربك} أي: اقرأ هذا القرآن مفتتحًا باسم ربك، أو مستعينًا به، فالجار في محل الحال. ويحتمل أن يكون المقروء الذي أمر بقراءته هو باسم ربك، كأنه قيل له: اقرأ هذا اللفظ. والتعرُّض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية والتبليغ إلى الكمال اللائق شيئًا فشيئًا مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإشعار بتبليغه عليه السلام إلى الغاية القاصية من الكمالات البشرية والروحانية بإنزال الوحي المشتمل على نهاية العلوم والحكم. وقوله تعالى: {الذي خلقَ} صفة للرب، ولم يذكر له مفعولًا؛ لأنَّ المعنى: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، أو تقديره: خلق كلَّ شيء، فتناول كلَّ مخلوق؛ لأنه مطلق، فليس بعض المخلوقات بتقديره أولى من البعض.
وقوله تعالى: {خَلَق الإِنسانَ} بتخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله لشرفه، ولأنَّ التنزيل إنما هو إليه، ويجوز أن يُراد: الذي خلق الإنسان، إلاَّ أنه ذكر مبهمًا، ثم فسّر تفخيمًا لخلقه، ودلالةً على عجيب فطرته. قيل: لمَّا ذكر فيما قبل أنه خلق الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثم ذكر ما عرض له بعد ذلك، ذكره هنا منبهًا على شيءٍ من أطواره، وذكر نعمته عليه، ثم ذكر طغيانه بعد ذلك، وما يؤول إليه حاله في الآخرة، فإنه تفسير لقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِيا أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 4، 5] ، ثم ذكر أصل نشأته بقوله: {مِن علقٍ} ولم يقل من علقة؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع. وفيه