يقول الحق جلّ جلاله: {والعادياتِ ضَبْحًا} ، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبَح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عَدَون، وحكى صوتها ابنُ عباس، فقال: أحْ، أحْ. وانتصاب"ضبحًا"على المصدر، أي: يضبحن ضبحًا، أو: بالعاديات، فإنَّ العَدْو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحًا، أو: حال، أي: ضابحات. {فالمُورِيات قَدْحًا} ، الإيراء: إخراج النار، والقدح: الصكّ، يقال: قدح فأوْرى، أي: فالتي تُوري النارَ من حوافرها عند العَدْو. وانتصاب"قدحًا"كانتصاب ضبحًا. {فالمُغيراتِ} التي تغير على العدوّ، {صُبْحًا} أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلًا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحًا ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة ـ التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر ـ إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذانًا بأنها العمدة في إغارتهم.
وقوله تعالى: {فأثَرْنَ به نَقْعًا} أي: غبارًا، عطف على الفعل الذي دلّ عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأَوْرَين فأغرن فأثرن، أي: هيّجن به غبارًا، وتخصيص إثارته بالصُبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أنَّ الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أنّ العَدْو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلاّ في الصبح. {فَوسَطْنَ به} أي: فوسطن بذلك الوقت {جَمْعًا} من جموع الأعداء، والفاء