فهرس الكتاب

الصفحة 2293 من 3416

وما يدلان عليه من كمال قدرته تعالى لدلالةً ظاهرة على البعث والإنشاء من بعد التفريق، لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ راجع بقلبه إلى ربه، مطيع له تعالى، إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، فيعتبر، ويعلم أنَّ مَن قَدَر على إنشاء هذه الأجرام العظام، قادر على إحياء الأموات وبعثها، وحسابها وعقابها.

الإشارة: يقول شيوخ التربية: بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال يحيى الباطن ويعمر بنور الله، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن، فيقع الإنكار عليهم، ويقول الجهلة: هل ندلكم على رجل يُنبئكم إذا مُزقتم في الظاهر كل مُمَزقٍ، يُجدد الإيمان والإحسان في بواطنكم، أَفْترى على الله كذبًا أم به جِنة؟ بل الذي لا يؤمنون بالنشأة الآخرة- وهي حياة الروح بمعرفة الله- في عذاب الحجاب والضلال، عن معرفة العيان بعيد، ما داموا على ذلك الاعتقاد، ثم يهددون بما يهدد به منكر والبعث. والله تعالى أعلم.

ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان، احتجاجًا على ما منح محمد- عليه الصلاة والسلام- من الرسالة والوحي، ردًّا لقولهم: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، ودلالة على قدرته تعالى على البعث وغيره، فقال:

[سورة سبإ (34) : الآيات 10 الى 11]

وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)

قلت: (يا جبال) : بدل من (فضلًا) ، أو يقدر: وقلنا. و (الطير) : عطف على محل الجبال، ومَن رفعه فعلى لفظه.

يقول الحق جلّ جلاله: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا أي: مزية خُصّ بها على سائر الأنبياء، وهو ما جمع له من النبوة، والمُلك، والصوت الحسن، وإلانة الحديد، وتعلم صنعة الزرد، وغير ذلك مما خُص به، أو:

فضلًا على سائر الناس بما ذكر، وقلنا: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ رَجّعي معه التسبيح. ومعنى تسبيح الجبال معه:

أن الله تعالى يخلق فيها تسبيحًا، فيسمع منها كما يسمع من المسبّح، معجزة لداود عليه السلام، فكان إذا تخلّل الجبال وسبّح جاوبته الجبال بالتسبيح، نحو ما سبّح به. وهو من التأويب، أي: الترجيع، وقيل: من الإياب بمعنى الرجوع، أي: ارجعي معه بالتسبيح. وَالطَّيْرَ أي: أوبي معه، أو: وسخرنا له الطير تؤب معه. قال وهب: فكان داود إذا نادى بالنياحة على نفسه، من أجل زلته، أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس منها هو من ذلك اليوم «1» .

(1) انظر تفسير البغوي (6/ 388) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت