فهرس الكتاب

الصفحة 1926 من 3416

الأشجار في البحار لا تمنع السفن من التسيار، فكذلك ظلال الكائنات لا تمنع سفن الأفكار من الخوض في بحار المعاني الأزلية الجبروتية، بل تخرقها، وتخوض في بحار الأحدية الجبروتية، الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والعلوية والسفلية، ولا يحجبها عن الله ظل شيء من الكائنات، وإليه الإشارة بقوله: ألم تر، أيها العارف، إلى ربك كيف مد الظل، أي: مد ظل الكائنات ليعرف بها كنز ربوبيته وبطون غيبه، ثم يرفع ذلك الظل عن عين البصيرة، التي أراد فتحها، فتشاهد بطون الأزل وغيب الغيب، وتصير عارفة بالله. ولو شاء لجعله ساكنًا، فيقع به الحجاب، فيحجب العبد بسحب الآثار عن شهود الأنوار. ثم جعلنا شمس العرفان عليه أي: على الأثر، دليلًا، فيستدل بالله على غيره، فلا يرى غيره، ثم قبضناه، أي: ذلك الظل، عن قلب السائر أو العارف، قبضًا يسيرًا، فيغيب عنه شيئًا فشيئًا، حتى يفنى عن حسه وحس غيره من الكائنات، فلا يشهد إلا المكوِّن لأن ذلك إنما يكون بالتدرج والتدريب، فإذا تحقق فناؤه رجع إلى شهود الأثر بالله «1» قيامًا برسم الحكمة، وأداء لحق العبودية.

وهو الذي جعل ليل القبض لباسًا، أي: سترًا ورداء من الهفوات لأن القبض يغلب فيه السكون، وجانبه مأمون، والنوم- أي: الزوال- سُباتًا، أي: راحد من كدّ التدبير والاختيار، وجعل نهار البسط نشورًا، تنتشر فيه العلوم وتنبسط فيه المعارف، إن قام صاحبه بآدابه، ولا يقوم به إلا القليل لأنه مزلة أقدام، ولذلك قال في الحِكَم:

«ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط، لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا» .

وهو الذي أرسل رياح الواردات الإلهية نُشْرًا بين يدي رحمته، أي: معرفته إذ لا رحمة أعظم منها، وأنزلنا من سماء الغيوب ماءًا طهورًا، وهو العلم بالله، الذي تحيا به الأرواح والأسرار، وتطهر به قلوب الأحرار، لنحيي به بلدة ميتًا، أي: روحًا ميتة بالجهل والغفلة، ونُسقيه مما خلقنا أنعامًا وأناسي كثيرًا لأن ماء المعاني سارٍ في كل الأواني فماء التوحيد سار في الأشياء كلها، جَهلَ هذا مَنْ جهله، وعرفه من عرفه. وأكثر الناس جاحدون لهذا.

ولذلك قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ فكل شيء فيه سر من حياة هذا الماء، فأبى أكثر الناس إلا كفورًا وجحودًا له، ولم ينتفع به إلا خواص أوليائه. وبالله التوفيق.

ثم إن هذا الماء إنما يسقى على أيدي الوسائط. وكان القياس تعددهم كتعدد سحابات الأمطار بتعدد الأقطار، لكن خُولف ذلك في حق نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفًا لقدره، وتعظيمًا لأمره، كما أشار إلى ذلك بقوله:

[سورة الفرقان (25) : الآيات 51 الى 52]

وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (52)

(1) إذن فهو فناء شهود، وليس فناء وجود. فتنبه، أعزك الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت