يقول الحق جلّ جلاله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي: لا يقيمون شهادة الكذب، أو: لا يحضرون محاضر الكذب فإنَّ مشاهدة الباطل مشاركة فيه، أي: يبعدون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطَّائين، فلا يقربونها، تَنَزُّها عن مخالطة الشر وأهله. وفي مواعظ عيسى- عليه السلام-: إياكم ومجالسَ الخطَّائين. وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ أي: بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويُطرح، والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو المشتغلين به مَرُّوا كِرامًا معرضين عنه، مكرمين أنفسهم عن التلوث به، كقوله: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ
«1» ، وعن الباقر: إذا ذَكروا الفروج كفوا عنها، وقال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا عنه وصفحوا.
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي: قرئ عليهم القرآن، أو: وعظوا بالقرآن، لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية، مجلتين لها بعيون راعية. وإنما عبّر عنها بنفي الضد تعريضًا بما يفعله الكفرة والمنافقون.
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا، «من» : للبيان، كأنه قيل: هب لنا قرة أعين، ثم بُينت القرة وفُسرت بقوله: مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا والمعنى: أن يجعلهم الله لهم قرة أعين بأن يروا منهم من الطاعة والإحسان ما تَقَرُّ بِهِ العين. أو: للابتداء، أي: هب لنا من جهتهم ما تَقَرُّ بِهِ العينُ، من طاعة أو صلاح. وَهب لنا أيضًا من ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ بتوفيقهم للطاعة، ومبادرتهم للفضائل والكمالات، فإن المؤمن إذا ساعده أهله في طاعة الله تعالى وشاركوه فيها يسر قلبه، وتقر عينه بما شاهده من مقاربتهم له في الدين، ويكون ذلك سببًا في لحوقهم به في الجنة، حسبما وعد به قوله تعالى: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «2» .
وإنما قال: «أعين» بلفظ القلة، دون عيون لأن المراد أعين المتقين، وهي قليلة بالإضافة إلى أعين غيرهم.
والمعنى: أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجًا وأعقابًا، عُمَّالًا لله، يسرون بمكانهم، وتقر بهم عيونهم، قيل: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس: (هو الولد إذا رآه يكتب الفقه) .
(1) من الآية 55 من سورة القصص.
(2) من الآية 21 من سورة الطور.