فهرس الكتاب

الصفحة 2002 من 3416

يقول الحق جلّ جلاله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ أي: جُمع له جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ بمباشرة مخاطبيه، فإنهم رؤساء مملكته، وعظماء دولته، من الثقلين وغيرهم. وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوة ملكه وعزة سلطانه لأن الجن طائفة عاتية، وقبيلة طاغية، ماردة، بعيدة من الحشر والتسخير، فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يحبس أوائلهم على أواخرهم، أي: يوقف سلاف العسكر «1» حتى يلحقهم الثواني، فيكونوا مجتمعين، لا يختلف منهم أحد، وذلك لكثرة العظمة والقهرية.

قال قتادة: فكان لكل صنف منهم وزعة «2» . أو: لترتيب الصفوف، كما هو المعتاد في العساكر. والوزع:

المنع، ومنه قول الحسن البصري، حين ولي القضاء: (لا بد للحاكم من وزعة) أي: شُرط يمنعون الناس من الظلم.

وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر، دون سوق أواخرهم، مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضًا لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو. قال محمد بن كعب: كان عسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية. وقد نسجت له الجن بساطًا من ذهب وإبريسم، فرسخًا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب، فيقعد عليه، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء- عليهم السلام- على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها، حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط، فتسير به مسيرة شهر، من الصباح إلى الرواح.

ورُوي أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تُسيِّره، فأوحى الله تعالى إليه، وهو يسير بين السماء والأرض: إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك. قال وهب: حدثني أبي: أن سليمان مرّ بحرّاثٍ، فقال: لقد أُوتي آلَ داود مُلكًا عظيمًا، فالتفت ونزل إلى الحرّاث، فقال: إني سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك خير لك مما أوتي آلُ داود. هـ.

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ أي: فساروا حتى بلغوا وادي النمل، وهو واد بالشام، كثير النمل، قاله مقاتل. أو: بالطائف، قاله كعب. وقيل: هو واد يسكنه الجن، والنمل مراكبهم «3» . وعدي الفعل ب «على» لأن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء. ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي إذ حينئذٍ يخافهم من فى

(1) سلاف العسكر: متقدموهم.

(2) ذكره البغوي في التفسير (6/ 149) .

(3) انظر التعليق التالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت