فهرس الكتاب

الصفحة 2238 من 3416

يقول الحق جلّ جلاله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ محمد صلى الله عليه وسلم أُسْوَةٌ «1» حَسَنَةٌ خَصْلَةٌ حسنة، من حقها أن يُؤتسى بها كالثبات في الحرب، ومقاساة الشدائد، ومباشرة القتال. أو: في نفسه قدوة يحسن التأسي به. كما تقول: في البيضة عشرون رطلًا من حديد، أي: هي في نفسها عشرون. وفيه لغتان: الضم والكسر، كالعِدوة والعُدوة، والرِشوة والرُشوة. وهى لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي: يخاف الله ويخاف اليوم الآخر، أو: لأجل ثواب الله ونعيم اليوم الآخر. و «لمن» : قيل: بدل من ضمير «لكم» ، وفيه ضعف إذ لا يبدل من ضمير المخاطب إلا ما دل على الإحاطة. وقيل: يتعلق بحسنة، أي: أسوة حسنة كائنة لمَن آمن، وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا أي: في الخوف والرجاء، والشدة والرخاء، فإن المؤتسِي بالرسول يكون كذلك.

وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قد أقبلوا عليهم ليستأصلوهم، وقد وعدهم الله أن يسلط عليهم المحن، ويُزَلْزَلُوا حتى يستغيثوا ويستنصروا بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.. إلى قوله: نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ «2» ، فلما جاء الأحزاب واضطربوا قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وعَلِمُوا أن الجنة والنصرة قد وجبت لهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «إنَّ الأحزاب سائِرون إليكم في آخر تِسْع ليال، أو عشر» ، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد، قالوا ذلك «3» . وهذا: إشارة إلى الخطب والبلاء، أي: هذا الخطب الذي وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وَما زادَهُمْ، ما رأوا من اجتماع الأحزاب ومجيئهم، إِلَّا إِيمانًا بالله وبمواعيده، وَتَسْلِيمًا لقضائه وأقداره.

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أي: صدقوا فيما عاهدوه، فحذف الجار، وأوصل المفعول إلى «ما» وذلك أن رجالًا من الصحابة نَذَرُوا أنهم إذا لقوا حربًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا، وقاتلوا حتى يُسْتَشْهَدُوا، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر، وغيرهم. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر. والنَّحْبُ: النذر، واستعير للموت لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذرٌ لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي:

نذره. وقال في الصحاح: النحب: النذر، ثم قال: والنَّحْبَ: المدة والوقت. يقال: قضى فلان نَحْبَه إذا مات. هـ. فهو

(1) قرأ عاصم (أسوة) بضم الهمزة، حيث كان، وهى لغة قيس وتميم، وقرأ الباقون بكسرها حيث وقعت. وهى لغة الحجاز.

انظر الإتحاف (2/ 373) .

(2) الآية 214 من سورة البقرة.

(3) قال الحافظ ابن حجر، في الكافي الشاف (ص 133، رقم 208) : لم أجده. []

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت