وكذلك أخوها، فأنكحها صلى الله عليه وسلم زيدًا، فدخل بها، وساق إليها النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دنانير، وستين درهمًا، وملحفة، ودرعًا، وإزارًا، وخمسين مدًّا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر «1» . وقيل نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وكانت من أول مَن هاجر من النساء، فوهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم فقبلها، وقال: زوجتها من زيد، فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت «2» . والأول أصح.
وإنما جمع الضمير في «لهم» ، وكان من حقه أن يُوحَّد لأن المذكورين وقعا نكرة في سياق النفي، فعمَّا كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير إلى المعنى، لا إلى اللفظ. والخيرة: ما يُتخير، وفيه لغتان: سكون الياء، وفتحها، وتؤنث وتذكَّر باعتبار الفعل لمجاز تأنيثها.
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما اختار وقضى فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا بيِّن الانحراف عن الصواب.
فإن كان العصيانُ عصيانَ رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيانَ فعلٍ، مع قبول الأمر، واعتقاد الوجوب، فهو ضلال فسق.
ثم إن زينب مكثتْ عند زيد زمانا، فأتى عليه الصلاة والسلام ذات مرة دار زيد، لحاجة، فأبصرها في درع وخمار، فوقعت في نفسه، وذلك لِمَا سبق في علم الله من كونها له. فقال: «سبحان مقلِّب القلوب» «3» ، وكانت نفسه قبل ذلك تنفر منها، لا تُريدها، فانصرف، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففَطِنَ، وأُلقي في نفسه كراهيتُهَا والرغبة عنها في الوقت، وقال: يا رسول الله إني أُريد فراق صاحبتي؟ فقال: «مالك، أرابك منها شىء؟»
(1) انظر تفسير البغوي (6/ 353) .
(2) أخرجه ابن جرير في التفسير (22/ 12) وعزاه السيوطي في الدر (5/ 381) لابن أبى حاتم. عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
والحديث معضل.
(3) قال الحافظ ابن حجر في الكافي (ص 134 رقم 224) : (ذكره الثعلبي بغير سند، وأخرج الطبري «22/ 13» معناه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم) قلت: هذه الرواية، وإن ساقها عدد من المفسرين، إلا أن العلماء المحققين ردوها فالروايات كلها جاءت من طرق ضعيفة، ولا يوجد شىء منها في كتب الحديث المعتمدة، والذي جاء في الصحيح يخالف ذلك. ولا يجوز أن يستند إلى روايات ضعيفة في إثبات خبر فيه نيل من عصمة المعصوم صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (3/ 490) : (ذكر ابن جرير، وابن أبى حاتم، هاهنا، آثارا عن بعض السلف، أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها، فلا نوردها) - ثم إن السيدة «زينب بن جحش» - رضى الله عنها- ابنه عمته، ويعرفها مذ كانت طفلة حتى كبرت، وهو الذي زوّجها لمولاه زيد، وكان بإمكانه أن يتزوجها قبل أن يزوجها زيدا. فغير معقول- والحال كما ذكر- أن يزوجها لغيره ثم يرغب فيها.
والحق في المسألة ما سيذكره الشيخ ابن عجيبة بعد، نقلا عن الشيخ عبد الرحمن الفاسى من أن المعنى: وتُخفي في نفسك ما اطلعت عليه من مفارقة زيد لها، وتزوجك إياها بعده ... إلخ كلامه.
للمزيد راجع: الشفاء للقاضى عياض (2/ 878- 880) روح المعاني للألوسى، (22/ 24- 25) الإسرائيليات والموضوعات للدكتور محمد أبى شهبة (323- 328) .