فهرس الكتاب

الصفحة 2261 من 3416

قلت: «شاهدًا» : حال مقدرة، كمررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا.

يقول الحق جلّ جلاله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا على من بعث إليهم، على تصديقهم وتكذيبهم، أي: مقبولًا قولك عند الله، لهم وعليهم، كما يُقبل قول الشاهد العدل في الحكْم، وَمُبَشِّرًا للمؤمنين بالنعيم المقيم، وَنَذِيرًا للكافرين بالعذاب الأليم، وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ إلى الإقرار بربوبيته، وتوحيده، وما يجب الإيمان به، من صفاته، ووعده، ووعيده، بِإِذْنِهِ بأمره، أو: بتيسيره. وقيّد به الدعوى إيذانًا بأنه أمر صعب، لا يتأتى إلا بمعونةٍ من جناب قدسه، وَسِراجًا مُنِيرًا يُستضاء به في ظلمة الجهالة، وتُقتبس من نوره أنوار الهداية، قد جلى به الله ظلمات الشرك، واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير، ويهتدى به. وقيل: المراد به القرآن، فيكون التقدير: وذا سراج. ووُصف بالإنارة لأن من السُرج مَن لا يضيء جدًّا إذا قلّ سَلِيطُه، - أي: زيته- ورقَّت فتيلته. أو: شاهدًا بوحدانيتنا، ومبشرًا برحمتنا، ونذيرًا بنقمتنا، وداعيًا إلى عبادتنا، وسراجًا تُنير الطريقَ إلى حضرتنا.

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ثوابًا عظيمًا، يربو على ثواب سائر الأمم. وفي الحديث:

«مثَلُكمْ ومَثَلُ اليهود والنصارى كمَن استأجر عُمالًا إلى آخر اليوم، فعَمِلَتِ اليهودُ إلى الظهر، ثم عجزوا، ثم عملت النصارى إلى العصر، فعجزوا، ثم عملتم إلى آخر النهار، فاستحققتم أجر الفريقين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا، وأقلّ أجرًا، فقال لهم الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء» «1» وفي رواية: «أنهم عملوا إلى الظهر، أو العصر، وقالوا: لا حاجة لنا بأجرك، فبطل أجر الفريقين» . وهذا في حق مَن أدرك الإسلام منهم ولم يؤمن. والحديث في الصحيح. نقلته بالمعنى.

قال البيضاوي: ولعله معطوف على محذوف، أي: فراقب أمتك وبشِّرهم. هـ.

وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ أي: دُم على مخالفتهم، وهو تهييج وتنفير عن حالهم، وَدَعْ أَذاهُمْ أي: لا تلتفت إليه، ولا تحتفل بشأنه. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: اجعل إيذائهم إياك في جانب، وأنت في جانب، ولا تُبال بهم، ولا تخفْ من إيذائهم. أو: إلى المفعول، أي: دع إيذاءك إياهم مجازاةً ومؤاخذة على كفرهم. ولذلك قيل: إنه منسوخ. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فإنه يكفيكهم، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا موكولا عليه،

(1) أخرجه البخاري فى (الإجارة، باب الإجارة إلى نصف النهار، ح 2268) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه. []

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت