فهرس الكتاب

الصفحة 2562 من 3416

يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ: بدل من «يوم التلاق» أي: خارجون من قبورهم، أو: ظاهرون، لا يستترون بشيء من جبل أو أكمة أو بناء لكون الأرض يومئذ قاعًا صفصفًا، ولا عليهم ثياب، إنما هم حفاةٌ عراةٌ، كما في الحديث. أو:

بارزة نفوسهم لا يحجبها غواش الأبدان، أو: بارزة أعمالهم وسرائرهم، لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ من أعمالهم وأحوالهم، الجلية والخفية، السابقة واللاحقة، وهو استئناف لبيان بُروزهم، وإزاحة لِما كان يتوهمه المتوهمون في الدنيا من الاستتار توهمًا باطلًا، فإذا برزوا وحُشروا، نادى الحق- جلّ جلاله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فلا يجيبه أحد، ثم يعود ثلاثًا، فيجيب نفسه بنفسه بقوله: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أي: الذي قهر العباد بالموت.

رُوي أنَّ الله تعالى يجمع الخلائق في صعيد واحد، في أرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة، لم يُعصَ الله عليها قط، فأول ما يُتكلم به أن يُنادي مناد: لِمن المُلكُ اليوم؟ فيجيب نفسه: «لله الواحد القهّار» . وقيل: المجيب أهلُ المحشر، ورُوي أيضًا: أن هذا القول يقوله الحق تعالى عند فناء الخلق وقبل البعث، ولعله يقال مرتين.

قال تعالى: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ من النفوس البرّة والفاجرة، بِما كَسَبَتْ من خير أو شر، وهذا من تتمة الجواب، أو: حكاية لما سيقوله تعالى يومئذ عقب السؤال والجواب، لا ظُلْمَ الْيَوْمَ بنقص ثواب أو زيادة عذاب، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لأنه لا يشغله شأن عن شأن، فكما أنه يرزقهم دفعة، يُحاسبهم دفعة، فيحاسب الخلق قاطبة في أقرب زمان، كما نُقل عن ابن عباس: أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقِلْ «1» أهلُ الجنة إلا فيها، وأهل النار إلا فيها. هـ.

قلت: المراد بالحساب: إظهار ما يستحق كل واحد من النعيم أو العذاب، وأما ما ورد من طول المكث في المحشر على الكفار والفجّار فإنما ذلك تعذيب بعد فراغ المحاسبة. والله تعالى أعلم.

الإشارة: هو الذي يُريكم آياته الدالة على توحيده، ويُنزل لكم من سماء الغيوب علمًا، تتقوّت به قلوبكم وأرواحكم، فتغيبون في مشاهدة المدلول عن الدليل، وما يتذكّر بهذا ويهتدِ إليه إلا مَن يُنيب، ويصحب أهل الإنابة.

فادعوا الله، أي: اعبدوه وادعوا إلى عبادته وإخلاص العمل، ولو كره الجاحدون، فإنَّ الله رفيع درجاتِ الداعين إليه مع المقربين، في مقعد صدق عند ذي العرش المجيد. قال القشيري: يرفع درجات المطيعين بظواهرهم في الجنة، ودرجات العارفين بقلوبهم في الدنيا، فيرفع درجتهم عن النظر إلى الكونين، والمساكنة إليهما، وأما المحبُّون فيرفع درجتهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعقبى شيئًا غير رضا محبوبهم. هـ.

(1) من القيلولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت