ومن أعقابهم، بعدما خبرهم واستقرأ أحوالهم قريبًا من ألف سنة، أو: يكون بعد إخباره تعالى له بقوله: {أَنَّهُ لِن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْءَامَنَ} [هود: 36] .
رَبِّ اغفر لي ولوالدي وكانا مسلمَين، واسم أبيه: لَمَك بن مُتَوشْلح، واسم أمه: شمخاء بنت أنوش، وقيل: المراد: آدم وحواء. قال ابن عباس: لم يكفر بنوح والد بينه وبين آدم عليه السلام، وقُرىء:"ولولديّ"يريد سامًا وحامًا، {ولِمَنْ دَخَلَ بيتي} أي: منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي {مؤمنًا} ، ولعله قد علم أنَّ مَن دخل بيته مؤمنًا لا يعد إلى الكفر، وبهذا القيد خرجت امرأته وابنه كنعان، ولم يجزم عليه السلام بخروجه إلاَّ بعدما قيل له: {إِنَّهُ لِيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] ، {وللمؤمنين والمؤمنات} إلى يوم القيامة. خصَّ أولًا مَن يتصل به؛ لأنهم أولى وأحق بدعائه، ثم عمَّم، {ولا تزد الظالمين} أي: الكافرين {إلاَّ تبارًا} ؛ إهلاكًا. قال ابن عباس رضي الله عنه: دعا نوح عليه السلام بدعوتين، إحداهما: للمؤمنين بالمغفرة، وأخرى على الكفارين بالتبار، فاستجيب على الكافرين، فاستحال ألاَّ تُجاب دعوته في حق المؤمنين. واختلف في صبيانهم: هل أُغرقوا؟ فقيل: أعقم اللهُ أرحامَ نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة، فلم يكن منهم صبي حين أُغرقوا، وقيل: أهلك أطفالهم بغير عذاب، ثم أغرق كبارهم، وقيل: غرقوا معهم كما غرق سائر الحيوانات، وهو المشهور؛ لأنّ المصيبة تعم، ثم يُبعثون على نياتهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وقال نوحُ الروح، أي: شكت الروح إلى ربها، وقالت: إنَّ النفس وجنودها عَصَوني، واتبعوا حال المنهمكين في الدنيا، الفانين في أموالهم وأولادهم، فلم يزدهم ذلك إلاّ خسارًا، ومكروا بي، حيث راموا مني الميل إليهم، مكرًا كُبَّارًا، وقالوا: لا تَذَرُنَّ آلهتكم من الدنانير والدراهم، ولا تَذَرُنَّ ود الدنيا ومحبتها، ولا سُواع الهوى والحظوظ، ولا يغوث الرياسة والجاه، ولا يَعوق العلائق والشواغل، ولا طيور الهواجس والخواطر، يعني: لا تستعملوا ما يُخرجكم عن هذه الأشياء، مِن خرق العوائد، والزهد، والورع، بل أقيموا على تنمية دنياكم، وتوفير هواكم، وقد أضلُّوا كثيرًا ممن يقتدي بهم. وقالت أيضًا: لا تزد الظالمين من هؤلاء إلاّ ضلالًا؛ هلاكها وانقطاعًا. مما خطيئاتهم أُغرقوا في بحر الدنيا، فأُدخلوا نار القطيعة، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا، وقال نوح الروح أيضًا: لا تَذرْ على أرض البشرية من الكافرين من القواطع التي تقطعني عن السير بظلمتها ديّارًا ممن يدور بها، ويُقوي حسها، إنك إن تذرهم يدورون بها ويقطعونها عن السير، ويُضلوا عبادك عن الوصول إليك، ولا يلدوا منها إلاَّ خاطرًا فاجرًا كفّارًا. رَبِّ اغفر لي، خطابٌ من الروح ودعاء، ولوالدي من العقل الكلي، والنفس الكلي، وهو الروح الأعظم، ولِمن دخل بيتي، أي: تمسّك بطريقتي، ودخل في زمرتي، ولأرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا تزد الظالين الخارجين عن طريقتي إلاَّ تبارًا. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم.