فهرس الكتاب

الصفحة 3357 من 3416

{فَأّنْذَرتكم} ؛ خوَّفتكم {نارًا تلضى} ؛ تتلهب، {لا يَصْلاها إِلاّ الأشقى} ؛ لا يدخلها للخلود فيها إلاّ مَن سبق له الشقاء، {الذي كذَّب وتَوَلَّى} أي: الكافر الذي كذّب الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وتَوَلى عن الإيمان، {وسَيُجنبها} ؛ وسيبعِّدها {الأتقى} ؛ المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلًا عن دخولها، وأمّا مَن دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البُعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا يُنافي الحصر المذكور. {الذي يُؤتى مالَه} للفقراء {يتزكَّى} أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يُريد به رياءً ولا سمعةً، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعّل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير"يؤتى". {وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى} أي: ليس لأحدٍ عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، {إِلاَّ ابتغاءَ وجه ربه} : استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه {الأعلى} أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه.

والآية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين اشترى بلالًا في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذَّب المشركون بلالًا، وبلالٌ يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ، فمرّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال:"ينجيك أحد أحد"ثم أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له:"إنَّ بلالًا يُعذَّب في الله"فعرف مراده، فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبدٍ كان عنده اسمه"نسطاس"وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركًا، فقال له الصدِّيق: أسْلِم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالًا، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليدٍ كانت له عنده، فنزلت. رُوي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يُعَذَّب على الإسلام، قال عروة: أَعتق أبو بكر سبعة، كلهم يُعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزِنِّيرة، وبيرة، وأم عُبيس، وأمة بني المؤمِّل. قال: وأسْلَم وله أربعون ألفًا، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع مَن يمنع ظهرك، فقال: مَنْعَ ظهري أريد، فنزلت فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) } [الليل: 17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسمّاه الرسولُ صلى الله عليه وسلم عبد الله.

وقوله تعالى: {ولسوف يرضى} جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نُجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه، وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىا (5) } [الضحى: 5] .

الإشارة: إنّ علينا لبيان الطريق لِمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتابًا ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولًا يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت