فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
-وقال علي رضي (ت: 40 هـ) الله عنه:"لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي" (55) .
والتعبير بالسرِّ يشير إلى الحكمة والعلة أكثر مما يشير إلى المعنى، واستعمال العلماء يدل على ذلك ومن أمثلة ذلك:
-ما قاله ابن القيم (ت: 751 هـ) :"فلما أراد الله إكرامه بالشهادة ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السُّمِّ، ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وظهر سرُّ قوله تعالى لأعدائه من اليهود: (أكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون) [البقرة: 87] فجاء بلفظ: (كذبتم) بالماضي الذي قد وَقَعَ منه وتحقَّقَ وجاء بلفظ: (تقتلون) بالمستقبل الذي يتوقعونه وينتظرونه والله أعلم" (56) .
-وقال ابن عاشور (ت: 1393هـ) في قوله تعالى:"ما أفاده قوله: (فوقهم) فإن جميع الدواب تمشي على الأرض والطير كذلك فإذا طار الطائر انتقل إلى حالة عجيبة مخالفة لبقية المخلوقات وهي السير في الجوِّ بواسطة تحريك جناحيه وذلك سرُّ قوله تعالى: (يطير بجناحيه) [الأنعام: 38] بعد قوله: (ولا طائر) في سورة الأنعام [الأنعام: 38] لقصد تصوير تلك الحالة" (57) . واستعمالات العلماء كثيرة في هذا الباب.
وأما ما نقله السمرقنديُّ عن عمر وعثمان وابن مسعود (ت: 32 هـ) بلفظ واحد وهو:"الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يُفَسَّر". فقد سبق ما يدل على ورود ما يخالفه عن علي (ت: 40 هـ) وابن مسعود (ت: 32 هـ) ، كما ورد مخالفة ذلك عن ابن عباس (ت: 68 هـ) رضي الله عنهم أجمعين كما سيأتي، والقاعدة: أن تفاسير الصحابة رضي الله عنهم حجةٌ إذا اتفقوا، وأما إذا اختلفوا فلا يكون قول أحدهم حجة على الآخر وإنما يرجع إلى المرجحات (58) . وقد وقع الاختلاف هنا في المنقول عنهم رضي الله عنهم، مع اختلاف القول عن آحادهم، فلا بد من الرجوع إلى المرجحات الخارجية.
القول الثاني: أنها مما تعلم دلالتها:
ونُقل هذا القول عن ابن عباس (ت: 68 هـ) رضي الله عنهما، ومجاهد (ت: 103 هـ) ، والشعبي (ت: 103 هـ) ، وقتادة (ت: 117 هـ) ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: 182 هـ) ، وجمع كبير من العلماء (59) . ونسبه ابن عطية (ت: 541 هـ) لجمهور العلماء وصَوَّبه (60) .
ثم اختلف أصحاب هذا القول في تحديد معناها على أقوال كثيرة (61) يمكن جمعها في هذه الأنواع (62) :
النوع الأول:
أقوال ترجعها إلى رموز اقتضبت من كلم أو جمل، فكانت أسرارًا لها (63) : ويندرج تحت هذا النوع أقوال منها:
1.أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات الله المفتتحة بحروف مماثلة لها، ومثالها: (ألم) : ألف إشارة إلى أحد أو أول، واللام إشارة إلى اللطيف، والميم إلى ملك أو مجيد (64) .
2.أنها رموز لأسماء الله وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وأسماء الملائكة. فألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد.
3.أن كل حرف منها رمز إلى كلمة، فنحو (ألم) : أنا الله أعلم، و (ألمر) : أنا الله أرى، و (ألمص) أنا الله أعلم وأفصل (65) . روى ابن جرير (ت: 310 هـ) عن ابن مسعود (ت: 32 هـ) وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (ألم) قال:"أما (ألم) فهو حروفٌ اشْتُقَّ من حروف هجاء أسماءِ الله" (66) . وعن ابن عباس (ت: 68 هـ) في قوله (ألم) و (حم) و (ن) قال:"اسم مقطع" (67) .
ويُعترض على هذه الأقوال الثلاثة بما يلي:
أ- أنها بحاجة إلى نقل صحيح، قال ابن العربي (ت: 543هـ) :"فلو جاء خبر صحيح بأنه اسم من أسماء الله أو من أسماء السور أو القرآن لاخترناه واعتقدناه، وكما أنه لو جاءنا من طريق اللغة أن (يس) معناه: يا سيد، أو (طه) معناه: يا رجل ... لسلمناه له" (68) .
ب ـ أنها غير منضبطة، فلا يستطيع كل أحدٍ تأليف تلك الأسماء والكلمات، قال النيسابوري (ت: بعد 850 هـ) :"لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في الجميع" (69) .
4.أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجُمَّل.
قال ابن جرير (ت: 310 هـ) بعد سياق هذا القول:"كرهنا ذكر الذي حُكي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممن لا يُعْتَمَدُ على روايته ونقله" (70) .
النوع الثاني:
أنها وضعت أسماء أو أفعالًا: ومن تلك الأقوال:
1.أنها أسماء السور (71) .
2.أنها أسماء للقرآن اصطلح عليها (72) .
قال قتادة (ت: 117 هـ) في قوله: (ألم) :"اسمٌ من أسماء القرآن" (73) .
(يُتْبَعُ)