فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [محمد رشيد] ــــــــ [15 May 2010, 01:33 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وبعد ..
فمن عظيم منن الله تعالى على عبده المفتقر إليه في كل أحواله، أن قد أدمنت أخيرا أينما حللت أن أستمع إلى تلاوات القرآن العظيم، وأستذوق هذه الكلمات السماوية، بعد أن أخذني هذا الكتاب أخذة ما بعدها رجعة، أخذني من مصنفات الفروع والأصول، أخذة ليربيني، ثم يردني إليها على هدى ونور، لا عن الشهوة علم، وعشق الفهم، وشفاء الغليل، ونشوة التحصيل.
فأستمع إلى الكلمات السماوية وأنا ملق بظهري، منتفشا مستعليا بها على أي كلام خلا كلام الله، وما يليه من جوامع كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول نفسي لأصحاب كل كلام غير كلام الله: قل ما قل وانتفش ما تنتفش، هذا كلام الله، خير الحديث، خير الحروف، خير الكلم، بكل تعصب، وبكل أحادية، أقولها، وبحصرية قاسية.
وكان من جملة ما يروقني، بل يأخذ بلبي، أن أستمع إلى بعض القراء ببرنامج دروس المقامات، والذي يعرض بـ (قناة الفجر) المتخصصة في التلاوات القرآنية حسبما أعرف، فهناك من القراء الشباب من أوتي شيئا عجبا، وكنت أداعب أمي حينما تريد مشاهدة قناة أخرى، فأقول لها: يا أمي أنا ما أصدق أني أجد هذا الجمال في التلاوة وتلك الأحكام المنضبطة، إنني في محيطي ما أجد من أستمع إليه غيري، فدعيني أسمع. فتضحك وتضحك زوجي - حفظهما الله وأبقاهما في مرضاته واستعملهن في سبيله -.
إلا أن ثمة ما كان يقبضني ويعكر صفوي، وهو هؤلاء (( المحترفون ) )الذين يظهر من قراءتهم تكلفا عجيبا يخرج بالقارئ عن التدبر والخشوع والذل الذي ينبغي أن يعتري الوجه والجسد حين قراءة تنزيل رب العالمين، حتى تنتفخ أوداج القراء، وتحمر وجوههم، وتدمع أعينهم - من الضغط - وتكاد تنفجر من محاجرها، وهم (( يحزقون ) ).. فكانت نفسي تستنكر، وتقول: ما هذا بالقرآن الذي يقرأ، والذي يهدي الله به من يستمع إليه أو من يسمع - دون التاء -.
حتى وقفت على كلام رائق للإمام ابن الجوزي في (النشر في القراءات العشر) وافق خطاب نفسي، وقد حوى ما أنقله عنه فوائد عزيزة هي إلى الحكمة أقرب، ويا ليت من يتكلفون ومن يقصرون يلتزموا الوسطية وجمالها، فقال رضي الله عنه:
فالتجويد هو حلية التلاوة، وزينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله، وإلحاقه بنظيره وتصحيح لفظه وتلطيف النطق به على حال صيغته، وكمال هيئته؛ من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف، وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله"من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد"يعني عبد الله بن مسعود، وكان رضي الله عنه قد أعطى حظًا عظيمًا في تجويد القرآن وتحقيقه وترتيله كما أنزله الله تعالى، وناهيك برجل أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمع القرآن منه، ولما قرأ أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيحين وروينا بسند صحيح عن أبي عثمان النهدي، قال: صلى بنا ابن مسعود المغرب بقل هو الله أحد، ووالله لوددت أنه قرأ بسورة البقرة من حسن صوته وترتيله. (قلت) وهذه سنة الله تبارك وتعالى، فمن يقرأ القرآن مجودًا مصححًا كما أنزل تلتذ الأسماع بتلاوته، وتخشع القلوب عند قراءته، حتى يكاد أن يسلب العقول ويأخذ الألباب؛ سر من أسرار الله تعالى يودعه من يشاء من خلقه؛ ولقد أدركنا من شيوخنا من لم يكن له حسن صوت ولا معرفة بالألحان إلا كان جيد الأداء؛ قيما باللفظ؛ فكان إذا قرأ أطرب المسامع؛ وأخذ من القلوب بالمجامع، وكان الخلق يزدحمون عليه، ويجتمعون على الاستماع إليه، أمم من الخواص والعوام، يشترك في ذلك من يعرف العربي ومن لا يعرفه من سائر الأنام، مع تركهم جماعات من ذوي الأصوات الحسان، عارفين بالمقامات والألحان؛ لخروجهم عن التجويد والإتقان. وأخبرني جماعة من شيوخي وغيرهم أخبارًا بلغت التواتر عن شيخهم الإمام تقي الدين محمد بن أحمد الصائغ المصري رحمه الله وكان أستاذًا في التجويد أنه قرأ يومًا في صلاة الصبح"وتفقد الطير فقال لا أرى الهدهد"وكرر هذه الآية فنزل طائر على رأس الشيخ يسمع قراءته حتى أكملها فنظروا إليه فإذا هو هدهد، وبلغنا عن الأستاذ الإمام أبي محمد عبد الله بن علي
(يُتْبَعُ)