فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 42615 من 53113

وغنيّ عن البيان أن هذا الخطاب الموجه إلى الناس، لابدّ فيه من مخاطِب، بقطع النظر عن تحديد هويته. . إذن، لابدّ أن يكون مصطلح الدلالة فيه محلّ اتفاق بين طرفي المخاطِب والمخاطَبين. وإنما الوسيط إلى هذا الاتفاق مصطلح اللغة العربية الذي كان سائدًا بين العرب، كمتكلمين وسامعين، أيام صدور هذا الخطاب.

وعلى هذا، فإن النتائج التطبيقية التي أشرنا إليها الآن، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في فهم معاني القرآن. بل يجب أن تؤخذ هذه النتائج بعين الاعتبار لدى محاولة فهم المراد من أي من النصوص المتداولة التي يتم العثور عليها.

وحصيلة هذا الذي قلناه، مما ينبغي أن يكون معروفًا لنا جميعًا، أن ما يسمى بالقراءة المعاصرة للنص، إنما يسري حكمه على النص الذي تم النطق به وتدوينه في هذا العصر، وذلك كي نضمن مطابقة مفهوم النص للمعنى الذي يجول في خاطر قائله.

ومن بدهيات الأمور أن علوم اللغة بكل ما يتبعها من علم الدلالات والألسنية إنما يبتغى منها الحصول على الضمانة التي لابدّ منها لربط الكلام بمراد المتكلم. وكلما كان النص أوغل في القدم، كانت المحافظة على العلاقة بينه وبين مراد القائل منه أكثر قدسية. . تمامًا كالبناء القائم، كلما كان أكثر قدمًا، كانت ضرورة المحافظة على نظامه وشكله أكثر أهمية. . إن عملية تركيب النص وتفكيكه يجب أن يكون كعملية تفكيك مثل هذا البناء، ثم تركيبه. أي يجب أن تكون العملية كلها خادمًا للأصل ضامنًا للإبقاء عليه.

وعلى الرغم من وضوح هذا الذي نقوله، فإنا لنشهد هجمة شرسة على القرآن تحت ستار ما يسمى بالقراءة المعاصرة!. .

قراءة معاصرة، لنصّ تنزَّل وحيًا من الله قبل خمسة عشر قرنًا، بمقتضى أصول التخاطب آنذاك. . كيف يستوعب المنطق وقانون فقه اللغة هذا الكلام؟!. .

لو جاز إخضاع النصوص التاريخية لما يسمى بالقراءة المعاصرة، إذن لاختفى التاريخ واندثر، ولانقطعت صلة الحاضر بالماضي. . ونظرًا إلى أنه ليس في الباحثين وعلماء اللغة من يعاني من الجنون، بحمد الله، فإن أحدًا منهم لم يُقدم بعدُ على هذه التجربة.

ولكن ظاهرة هذا الجنون تظهر فقط، في إخضاع القرآن دون غيره لهذه القراءة العصرية التي تفصله عن تاريخه وتقطع صلة ما بينه وبين ما يعنيه به صاحبه المتكلم به.

فمن هو صاحب الفكرة الأولى لهذه القراءة؟. . وما الغاية المقصودة منها؟

أما صاحب الفكرة فجمعية صهيونية في فينّا، فرغت منذ عام 1991 من تجربة على هذا الطريق، وأخرجت أول كتاب يحمّل القرآن معاني جديدة منفصلة عن المعاني التي تربطها به اللغة طبق قانون الدلالات، ثم هي معانٍ لا تمت بنسب إلى الإسلام قط. ثم إن هذه الجمعية أخذت تبحث في العالم العربي عمن يتبناه ويدّعيه كمؤلف له، ولعلها عثرت أخيرًا على الشخص المناسب الذي وافقها على ذلك، كما عثرت على نظيره في بعض البلاد الإسلامية الأخرى.

وأما الغاية المقصودة منها، فهي تفريغ القرآن من مضمونه الاعتقادي والتشريعي والأخلاقي، وتحويله إلى وعاء فارغ مهيأ لكل ما يمكن أن يلصق به من المعاني والأفكار.

وهي في الجملة آخر تجربة على طريق السعي إلى تفكيك البنيان الإسلامي ابتغاء صرف المسلمين عن ضوابطه وإحكامه، ثم إخضاعهم لتيار الحضارة الغربية، ومن ثم القضاء على ما يسمى بالخطر الإسلامي القادم من الشرق والذي يغزو كلًا من الغرب الأوربي والأمريكي، بمعتقداته العلمية وأحكامه السلوكية.

ترى، هل سيواصل هذا التخبط الجنوني الذي يتجاهل معنى اللغة وقواعدها سعيه اللاهث إلى هدفه المرسوم هذا؟ وهل سيكون في عقلاء العالم من يساير هذا الجنون، عندما لا يفرض تخبطه إلا على القرآن؟

أعتقد أن العالم الإنساني، أوعى من ذلك. . وأن أقلّ ما سيقوله عقل العقلاء لهؤلاء الناس: فأين هو حظ الكتب الفلسفية القديمة والتاريخية والفكرية والأدبية القديمة، عمومًا، من إخضاعها لغسيل القراءة المعاصرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت