وبالإضافة إلى معرفة طارق لرجاله في أيام السلم، فقد تضاعف معرفته بهم في أيام الحرب، فليس كأيام الحرب تربط المقاتلين وتعمق تعارفهم وتكشفهم على حقيقتهم، إذ يستمر الاتصال المباشر بينهم ليلًا ونهارًا في تعاون وثيق، فتنكشف نفسياتهم وقابلياتهم، ويُعرف الشجاع من الجبان، والصادق من الكاذب، والمستقيم من المنحرف، لأن التعامل بين المقاتلين يزداد، والميدان يُظهر الشجاع من الجبان.
وقد كان طارق، بما عُرف عنه، من اتصال وثيق بالبربر والعرب، الذين معه، على معرفة بنفسيات رجاله وقابليتهم، لا تكاد تخفى عليه من أمرهم خافية، فيستخدم الرجل المناسب للواجب المناسب استنادًا على نفسيته وقابليته، ولا يكلف رجلًا يجهل طوايا نفسه وخبايا قابليته، إلاّ بعد اختياره، لمعرفة الواجب الذي يستطيع النهوض به، رغبة لا رهبة، وطوعًا لا كرهًا، وباقتدار لا بعجز، لذلك استطاع طارق أن يحقق النصر بقواته القليلة، على القوط بقواتهم المتفوقة، لأنه يستخدم الرجل المناسب للواجب المناسب بموجب نفسيته وقابليته لا يموجب عوامل أخرى.
ح - وكان يتحلى بمزية: الثقة المتبادلة، فقد كان رجلًا مستقيمًا صادقًا أمينًا، مجاهدًا حقًا، شجاعًا مقدامًا، ألفًا مألوفًا، يطبق أوامره على نفسه، كما يطبقها على رجاله، إن لم يكن يحرص على تطبيقها أكثر من حرص أي رجل من رجاله. وقد كان يردد دائمًا: اعملوا ما أعمل، فلا يطالب أحدًا من رجاله أن يعمل غير ما يعمل هو شخصيًا، إذ يبدأ بالعمل أولًا، ثم يطالب الآخرين أن يقتفوا آثاره في عمله لا في قوله، فإذا كان الهجوم، كان أول المهاجمين، أمام رجال الصّوْلة في الهجوم، مستهدفًا قائد العدو بالذات، غير مكترث بما حول ذلك القائد من حُماة وحماية.
لقد كان في مزاياه يستحق أن يثق به رجاله، فأولوه ثقتهم الكاملة، ويستحق أن يثق به رئيسه المباشر، وهو موسى بن نصير، ورئيسه الأعلى، وهو الخليفة في دمشق، فأولوه ثقتهم الكاملة، وجعلوه قائدًا من قادة الفتح،