وبقي علينا، أن نتدارس معًا، المزيّة الثالثة للقائد الّلامع، وهي: الطبع الموهوب، لاستكمال دراسة المزايا الثلاث: الطبع الموهوب، والعلم المكتسب، والتجربة العملية.
إنّ مفتاح شخصيّة عبد العزيز القياديّة، هو أنّه إذا قرّر فتح مدينة من المدن أو منطقة من المناطق، ووضع الخطة التّعبويّة المناسبة لتحقيق هدفه، فإنَّه يبذل قصارى جهده لتحقيق هدفه بالحُسنى، فيفاوض لعقد معاهدة للصّلح، تجعل التعايش بين الغالب والمغلوب ممكنًا، وتقلّل من الخسائر المادية - وبخاصة في الأرواح - بين الجانبين المتحاربين، وتجعل بنود السّلام تخفق على رءوس المتحاربين بدلًا من أن تدقَّ بينهم طبول الحرب. فإذا نجح في تحقيق هدفه بالسّلام لا بالحرب، فذلك ما يصبو إليه ويتمناه، وإلاّ فلا مفرّ من القتال، إذا لم يبق من وسيلة للتفاهم إلاّ القتال.
والأسبقية في تحقيق الهدف، بالنسبة لعبد العزيز، هو للسَّلام أولًا، وللقتال ثانيًا، إذا لم يُفلح في تحقيق هدفه بالسَّلام، وإذا لم يكن إلاّ الأسنّة مركبًا، فما حيلة المضطر إلاّ ركوبها، والكيّ آخر الدواء.
وهو في هذه المزية القياديّة، يشابه أبا عُبَيْدَة بن الجّراح رضي الله عنه (1) ، وهو على طرفي نقيض من خالد بن الوليد رضي الله عنه (2) ، وطارق بن زياد رحمه الله، فقد كان خالد وطارق شديدين على الأعداء: إمّا أن يستسلم لهم العدو فورًا، وإلاّ قاتلوه بعنف شديد فورًا، حتى يستسلم لهما عَنْوَة دون قيد أو شرط.
وقد عقد عبد العزيز معاهدة للصلح بينه وبين تدمير، جعلت التّعايش بين المسلمين والإسبان في جنوبي وجنوب شرقي الأندلس ممكنًا ومريحًا، ولكنّه لم يستطع أن يعقد معاهدة للصلح بينه وبين ما فتحه من مدن غربي
(1) أنظر سيرته المفصّلة في كتابنا: قادة فتح الشّام ومصر (54 - 81) .
(2) أنظر سيرته المفصّلة في كتابنا: قادة فتح العراق والجزيرة (51 - 237) وكتابنا: خالد بن الوليد المخزوميّ.