فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 894

وكان موسى قد مهّد لجهاده في البحر، بالاهتمام بعمران مدينة تُونس، وتوسيع دار الصناعة بها، وشق القناة التي توصل بين الميناء رادِس (1) وبين المدينة، على طول اثني عشر ميلًا، حتى أقحمه دار الصناعة، فصارت مشتى للمراكب إذا هبّت النوار والأرياح، ثم أمر بصناعة مائة مركب (2) .

وعقد موسى لواء هذه الغزو لابنه عبد الله، وأمّره على رجالها وولاّه عليهم، ثم أمره أن يتوجه إلى هدفه، وإنما أراد موسى بما أشار من مسيره، أن يركب أهل الجلد والنكاية والشّرف، فسمِّيت هذه الغزوة: غزوة الأشراف. وسار عبد الله بمراكبه، وكانت تلك الغزوة أول غزوة غُزيت في بحر إفريقية (البحر الأبيض المتوسط المقابل لإفريقية) ، فأصاب في غزوته تلك صقلية، وافتتح مدينة فيها، فبلغ سهم الرّجل مائة دينار ذهبًا، وكان المسلمون ما بين الألف إلى التسعمائة، ثم انصرف قافلًا سالمًا، وكان ذلك في سنة خمس وثمانين الهجرية (3) (704 م) .

ومن الواضح أن هذه الغزوة كانت غارة من الغارات، ولم تكن فتحًا من الفتوح، ولكنها لم تكن غارة من غارات اقتناص المغانم، كما يتوهم قسم من المؤرخين الأجانب، فقد كانت المغانم ميسّرة في البر الإفريقي - كما رأينا - كما لم يكن المسلمون يومئذ يستهدفون المغانم غاية لهم من الغارات، بل كانت هذه الغارة دفاعية، فلا بد من أن الرّوم قد اتخذوا من صقلية قاعدة أمامية متقدمة لهم، ينطلقون منها للتعرض بالساحل الإفريقي الذي فتحه المسلمون، فكان الموقف العسكري يقضي على حماة تلك المناطق من المسلمين المرابطين على أرضها، أن يدافعوا عنها تجاه التعرّض الرّومي، بصدِّه أولًا،

(1) رادس: البحر الذي على ساحل تونس بإفريقيّة يقال له: رادس، وبذلك سمّي ميناؤها: ميناء رادس. ورادس: اسم موضع كالقرية، أنظر التفاصيل في معجم البلدان (4/ 203 - 204) .

(2) الإمامة والسياسة (2/ 70) .

(3) الإمامة والسياسة (2/ 70 - 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت