ووزراؤه - فحاولوا أن يحققوا لأنفسهم فيه مغانم خاصة، والذي يدل على الأثر والخور والضعف الإنساني، والتعلق بأسباب السلامة، وانتهاز الفرص، وهي ليست سمات المسؤول حقًا عن أمة وشعب ووطن.
وسار القائد أبو القاسم عبد الملك، مندوب أبي عبد الله إلى معسكر الملكين الكاثوليكيين ليؤدي مهمته الأليمة، وقد اضطلع هذا القائد فضلًا عن المفاوضة في تسليم غرناطة، بالمفاوضة في سائر الاتفاقات اللاحقة التي عقدت بين أبي عبد الله وبين ملكي قشتالة، ونرى اسمه مذكورًا في معظم الوثائق القشتالية الغرناطية التي أبرمت في تلك المدّة، باعتباره دائمًا مندوب أبي عبد الله المفوّض. ولم نعثر على تفاصيل تخص شخصية هذا الوزير أو نشأته، ولكن الذي يبدو لنا من مواقفه وتصرفاته، أنه كان سياسيًا عمليًا، يؤمن إيمانًا راسخًا بسياسة التسليم والخضوع للنصارى، وانتهازيًا يرى انتهاز الفرص بأي الأثمان (1) ، واستقبل فرديناند مندوب ملك غرناطة، وندب لمفاوضته أمينه فرناندو دى ثاخرا، وقائده جونزالفودي كردوبا، وكان خبيرًا بالشئون الإسلامية، عارفًا باللغة العربية، وجرت المفاوضات بين الفريقين بمنتهى التكتّم، أحيانًا في غرناطة، وأحيانًا في قرية بزليانة (2) ، القريبة الواقعة جنوب شرقي سنتمافيه. ويبدو من الخطابات التي تبودلت بين أبي عبد الله وبين ملكي قشتالة في تلك الأيام الدقيقة من حياة الأمة الأندلسية، أن حديث المفاوضة قد بدأ بين الفريقين في أوائل (أيلول - سبتمبر 1491 م) ، وأن القائد أبا القاسم بن عبد الملك كان يعاونه في المفاوضة الوزير يوسف بن كُماشة، وقد كان مثله من خاصة أبي عبد الله ومن أنصار سياسة التسليم، وأن أبا عبد الله
(1) يذكر اسم أبي القاسم عبد الملك في الوثائق القشتالية محرّفًا: أبو القاسم عبد المليح أو أبو القاسم المليخ، وهو الأكثر شيوعًا: Bulacaen, Bulcasem al Muleh. ومن الغريب أنّ هذا التحريف غلب فيما بعد على كتابة اسمه بالعربية، فتراه يكتب في بعض الوثائق: أبو القاسم المليخ.
(2) هي اليوم قرية Churiana، وهي من ضواحي غرناطة.