مفاوضات التسليم بينه وبين الملكين الكاثوليكيين، ومذ أبرمت بينهما معاهدة التسليم، حتى يوم الحسم النهائي الذي تمّ فيه ذلك التسليم، وأنه خرج في ذلك اليوم المشهود من الحمراء للقاء عدوّه الظافر؛ ومن المعقول أن تكون الحمراء قد أخليت قبل ذلك استعدادًا لتسليمها لسادتها الجدد، وذلك حسبما يشير إليه صاحب:"أخبار العصر" (1) .
وتلقي الرواية الإسلامية المعاصرة لتلك الأحداث ضوءًا على دخول ملك قشتالة مدينة غرناطة، وتصفه على النحو التالي:"فلما كان اليوم الثاني لربيع الأول عام سبعة وتسعين وثمانمائة (2 كانون الثاني - يناير سنة 1492 م) أقبل ملك الروم بجيوشه، حتى قرب من البلد، وبعث جناحًا من جيشه فدخلوا مدينة الحمراء، وأقام هو ببقية الجيوش خارج البلد لأنه كان يخاف من الغدر، وكان طلب من أهل البلد حين وقع الاتفاق على ما ذكر، رهونًا من أهل البلد ليطمئن بذلك، فأعطوه خمسمائة رجل منهم، وأقعدهم بمحلته. فلما اطمأن من أهل البلد، ولم ير منهم غدرًا، سرّح جنوده لدخول البلد والحمراء، فدخل منهم خلق كثير، وبقي خارج البلد، وأشحن الحمراء بكثير من الدقيق والطعام والعُدّة، وترك فيها قائدًا من قواده، وانصرف راجعًا إلى محلته ... ثم إن ملك الروم سرّح الناس الذين كانوا عنده مرتهنين، ومؤمنين في أموالهم وأنفسهم مكرّمين، وأقبل في جيوشه حين أطمأن، فدخل مدينة الحمراء في بعض خواصه، وبقي الجند خارج البلد، وبقي يتنزه في الحمراء في القصور والمنازه المشيدة إلى آخر النهار، ثم خرج بجنوده وصار إلى محلته، فمن غدٍ أخذ في بناء الحمراء وتشييدها، وتحصينها، وإصلاح شأنها، وفتح طرقها، وهو مع ذلك يتردّد على الحمراء بالنهار ويرجع بالليل، فلم يزل كذلك إلى أن اطمأنت نفسه من غدر المسلمين، فحينئذٍ دخل البلد، ودار فيه في نفر من قومه وحشمه ..." (2) .
(1) أخبار العصر (50) .
(2) أخبار العصر (50 - 51) .