حسنًا وصبرًا جميلًا، عن أرض أورثها مَن شاء من عباده، معقبًا لهم ومديلاَّ، سادلًا عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولًا: (سنة الثه التي خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا) فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيرًا، كان ذلك في الكتاب مسطورًا، ولم نستطع عن مورده صدورًا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا"."
ويعود أبو عبد الله بعد هذا الدفاع المستفيض المؤثر، إلى الإشادة بخلال سلاطين فاس ومآثرهم، ويقرر أن يضع نفسه تحت حماية السلطان ورعايته:"منتظمًا في سلك أوليائه، متشرفًا بخدمة عليائه"، ليقضي عمره في كنفه مصونًا من المخاطر والضيم.
تلك خلاصة الدفاع الشهير الذي تركه آخر ملوك الأندلس للخلف من بعده، وهو دفاع حار مؤثر، يذكرنا بتلك الاعتذارات الشهيرة، التي لجأ إليها الأقدمون في ظروف مختلفة، لتسويغ بعض المواقف والآراء. وقد يقف أبو عبد الله موقف المذنب البريء معًا، فهو لا يتنصّل من جميع الأخطاء، ولكنه يتنصّل من تبعة ما حدث، ويصوّر نفسه قبل كل شيء ضحيّة القدر، ويدفع عن نفسه بالأخص تهمة التفريط والخيانة والزّيغ. فإلى أي حد تتفق هذه الصورة مع الحقيقة، ومع منطق الحوادث والظروف التي وقعت فيها المأساة؟ لقد تبوّأ أبو عبد الله عرش غرناطة لأول مرة وهو فتى في الحادية والعشرين، ثم عاد إلى تبوّئه بعد ذلك بعدّة أعوام، وكان جلوسه في كل مرة نتيجة حرب أهلية مخرّبة طاحنة. وقد نشأ هذا الأمير الضعيف في بلاط منحل، يضطرم بصنوف الدسّ والخصومة، ولم تهيئه تربيته وصفاته للاضطلاع بمهام الملك الخطيرة، ولاسيما في مثل تلك الظروف الدقيقة، التي كانت تجوزها مملكة محتضرة. لقد كانت الأندلس تسير إلى قدرها المحتوم، قبل حلول المأساة بزمن بعيد، ولم يك ثمة شك في مصير غرناطة بعد أن سقطت جميع القواعد الأندلسية الأخرى في يد العدو القوي الظافر، ولكن ليس من شك أيضًا في أن الأواخر من ملوك غرناطة، يحملون كثيرًا من التبعة، في التعجيل بوقوع