فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 894

الذي تسلكه إزاء المسلمين، وقد كانوا من أهم عوامل النشاط والرخاء والعرفان في إسبانيا، وكانت براعتهم قدوة في الزراعة والصناعة والعلوم والفنون، وخلالهم قدوة في النشاط والمثابرة والزهد والعفّة والرفق، وكانوا على الجملة من أفضل العناصر الذين يمكن أن تضمهم دولة متمدنة (1) . ولكن الكنيسة كانت تضطرم حماسة في سبيل تحقيق مُثلها، ولم تكن السياسة الإسبانية في تلك الأيام من تاريخ إسبانيا سوى أداة لينة في يد الكنيسة، التي بلغت عندئذٍ ذروة قوّتها ونفوذها.

ويصف لنا مؤرخ إسباني، عاش قريبًا من ذلك العصر، نيات الكنيسة نحو المسلمين في قوله:"إنه منذ استولى فرديناند على غرناطة، كان الأحبار يطلبون إليه بإلحاح، أن يعمل على سحق طائفة محمد في إسبانيا، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء، إما التنصير، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب، وأنه ليس في ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم، بل إنقاذ لأرواحهم، وحفظ لسلام المملكة، لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون في صفاء وسلام مع النصارى، أو يحافظوا على ولائهم للملوك، ما بقوا على الإسلام، وهو يحثهم على مقت النصارى أعداء دينهم" (2) .

ولم تكن هذه السياسة في الواقع بعيدة، عما يخالج ملكي إسبانيا، فرديناند الخامس، وزوجته الملكة المتعصبة إيزابيلا الكاثوليكية، من شعور نحو المسلمين، ولم تكن العهود التي قطعت للمسلمين بتأمينهم في أنفسهم وأموالهم، واحترام دينهم وشعائرهم، لتحول دون تحقيق السياسة القومية. ذلك أن فرديناند لم يحجم قط عن أن يقطع العهود والمواثيق متى كانت سبيلًا لتحقيق مآربه، وأن يسبغ على سياسته الغادرة ثوب الدين والورع، ولكنه لم يعتبر نفسه قط ملزمًا بعهود يقطعها متى أصبحت تعارض سياسته وغايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت