العطف على فقرائهم" (1) ."
ولم تفت الرواية الإسلامية أن تشير إلى هذه الصفحة الأخيرة من جهاد المسلمين الباسل في سبيل دينهم، فقد نقل عنها المقري ما يأتي:"وبالجملة فإنهم (أي أهل غرناطة) تنصّروا عن آخرهم بادية وحاضرة، وإمتنع قوم عن التنصّر واعتزلوا النصارى فلم ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى وأماكن كذلك، منها بلفيق، وأندراش وغيرها، فجمع لهم العدو الجموع، واستأصلهم عن آخرهم قتلًا وسبيًا إلاّ ما كان من جبل بلنقة (أي فليا لونجا) ، فإن الله تعالى أعانهم على عدوّهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، مات فيها صاحب غرناطة، وأُخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خفّ من أموالهم دون الذخائر. ثم بعد هذا كان من أظهر التنصير من المسلمين، يعبد الله خفية ويصلي، فشدّد عليهم النصارى في البحث، حتى أنهم أحرقوا منهم كثيرًا بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة، فضلًا عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارًا، ولم يقيّض الله تعالى لهم ناصرًا" (2) .
وصدق صاحب نفح الطيب، إذ لم يجد مسلموا الأندلس في محنتهم ناصرًا، فلم يعاونهم المغاربة ولا سلطان مصر ولا سلطان القسطنطينية حتى بالكلام، ولو أن سلطان مصر، هدّد بمعاملة نصارى بلاده بالمثل، وجعل الملكين الكاثوليكيين يصدّقون وعيده - خاصة وأن فلسطين كانت تحت حكمه - لتبدّل الحال غير الحال، ولعُومل المسلمون من النصارى الإسبان بالحسنى. والقول إن سفير فرديناند استطاع إقناع سلطان مصر، بأن إسبانيا تعامل المسلمين بالحسنى، إدّعاء فارغ لا يصدّقه العقل ويرفضه المنطق، فقد كانت معاملة ملك النصارى في إسبانيا للمسلمين الظالمة معروفة لدى القاصي والداني في بلاد المسلمين، وقد وصلت أخبارها مصر، وسجلها
(2) نفح الطيب (2/ 616) ، وأنظر أخبار العصر (55) .