فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 894

وكان العرش يعلم بأمر هذه الآثام المثيرة التي تصم سمعة الديوان والمحققين، ولا يستطيع دفعًا لها، لما بلغه الديوان من السلطان الذي لا يناهضه سلطان آخر، ولأن العرش كان يرى فيه في الوقت نفسه، أصلح أداة في تنفيذ سياسته في إبادة الموريسكيين. وفي الوصية التي تركها فرديناند الكاثوليكي عند وفاته في (كانون الثاني - يناير 1516 م) ، لحفيده شارل الخامس، ما يلقي ضياءً على هذه الحقائق، ففيها بحث عن حماية الكثلكة والكنيسة، واختيار المحققين ذوي الضمائر الذين يخشون الله، لكي يعملوا في عدل وحزم، لخدمة الله وتوطيد الدين الكاثوليكي، كما يجب أن يضطرموا حماسة لسحق طائفة محمد (1) .

ولما توفي فرديناند، كان المحقق العام هو الكاردينال خمنيس مطران طليطلة، الذي أبدى من الحماسة في مطاردة المسلمين وتنصيرهم، ما سبقت الإشارة إليه. وقد حاول خمنيس أن يطهر قضاء الديوان وسمعته، فعزل كثيرًا من المحققين الذين لا يُرغب فيهم، ولكنه ولم يعش طويلًا ليتم خطته في الإصلاح، فعادت المساوئ القديمة أشدّ مما كانت، وسار الديوان في قضائه المدمّر وأساليبه المثيرة، لا يلوي على شيء. ولما جلس شارل الخامس على العرش، كتب إلى مجلس قشتالة يقول: إن سلام المملكة، وتوطيد سلطانه، يتوقفان على تأييده لديوان التحقيق، ولم ير شارل بعد مدة من التردد، إلاّ أن ينزل عند هذا النصح، وأن يفسح الطريق لسلطان الديوان القاهر وذهبت كل الجهود للحد من عسف الديوان وعبثه سدى، وتوطد سلطان الديوان بقشتالة مدى قرون ثلاثة، كانت في الواقع أخطر ما في حياة الشعب الإسباني (2) .

و- وقد رأينا كيف أنشئ ديوان التحقيق الإسباني في الأصل، لمطاردة الكفر وحماية الكثلكة من شبه المروق والزّيغ، وكان إنشاؤه في قشتالة قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت