فهرس الكتاب

الصفحة 831 من 894

يحتكرون تجارة الأغذية، ويضعون يدهم على المحاصيل عند نضجها، ومنهم تجار البقالة والماشية، ومنهم القصابون والخبازون وأصحاب الفنادق وغيرهم، ولا يشترون العقارات احتفاظًا بحرية استعمال أموالهم، وقد كان ذلك من أسباب غناهم وقوتهم الاقتصادية (1) .

كانت إسبانيا النصرانية إذًا أبعد من أن تطمئن إلى مجتمع العرب المتنصرين، فقد كانوا في نظر الكنيسة أبدًا كفرة مارقين، وكانت الدولة من جانبها تلتمس المعاذير لاضطهاد هذا المجتمع الدخيل ومطاردته، فهي تخشى أن يعود إلى الثورة، وهي تخشى من صلاته المستمرة مع مسلمي إفريقية ومع سلطان الترك، وهي مازالت تحلم بتطهير إسبانيا من الآثار الأخيرة للشعب الفاتح، والقضاء إلى الأبد على تلك الصفحة من تاريخ إسبانيا.

والواقع أن صلات الموريسكيين مع أعداء إسبانيا، لبثت شغلًا شاغلًا للسياسة الإسبانية. وقد كانت المماليك والإمارات المغربية في الضفة الأخرى من البحر، على استعداد دائمًا لأن تصغي إلى هذا الشعب المنكود، سليل إخوانهم الأمجاد في الدين، وأن تعاونه كلما سنحت الفرص. وكان سلاطين الترك يتلقون من الموريسكيين صريخ الغوث من آن لآخر، وكانت المنافسة بين الترك وإسبانيا يومئذ على أشدها، في مياه البحر الأبيض المتوسط، وكانت طوائف الموريسكيين تعيش على مقربة من الثغور الشرقية والجنوبية، وأكثر من ذلك أن السياسة الإسبانية كانت تخشى دسائس فرنسا خصيمتها القوية يومئذ، وتخشى تفاهمها المحتمل مع الموريسكيين. وكانت هذه الظروف كلها تحمل إسبانيا النصرانية، على أن تعتبر الموريسكيين خطرًا قوميًا يجب التحوّط منه، والعمل على درئه بكل الوسائل.

وتسوق إلينا الرواية الإسبانية دلائل هذا الخطر في حوادث كثيرة، ففي سنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت