فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 2939

إذن كونُ صاحب الحال مضافًا إضافةً محضة يمتنعُ التقديم بالإجماع، وأما إذا كانت الإضافة لفظية فمحلُّ نزاع. ومنها أن تكون الحال محصورة، يعني: مما يجبُ فيه تأخير الحال، لا تتقدم، أن تكون الحال محصورة نحو قوله:"وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ" {6/ 48} مُبَشِّرِينَ: هذا حال، لا يجوز تقديمها، لا يقال: ما نرسِلُ إلا مبشرين المرسلين لا يصحّ؛ لماذا؟ لأن الحالَ هنا محصورة، وإذا كانت محصورة يفوتُ المعنى بتقديمها. إذا كانت الحال محصورًا فيها وجبَ تأخيرها، إذا قلت مثلًا: ما جاء زيد إلا راكبًا، لا يصحّ أن يُقال:"ما جاءَ إلا راكبًا زيد"، هذا ممنوع؛ لأن الحال محصورة،"إنما جاء زيد راكبًا"، لا يصحّ أن يقال:"إنما جاء راكبًا زيد"، هذا ممنوع لماذا؟ لكون الحال محصورة كما سبق في المفعول وفي الخبر.

وَمَا بِإِلاَّ أَوْ بِإِنَّمَا انْحَصَرْ ... أَخِّرْ

هذا مثله، حينئذٍ تبقى على أصلها.

إذن يجبُ تأخيرُ الحال إذا جُرّت بحرف جرّ أصلي،"مررت بهند جالسةً"لا يجوز تقديمها، كذلك إذا كان صاحب الحال مُضافًا إضافة محضة -مضافًا إليه-، ونوع الإضافة إضافة محضة معنوية، يمتنعُ حينئذٍ، لا تقول:"عجبُت مسرعًا قيام زيد"، لا يصح؛ لكون الإضافة هنا إضافة محضة، أما الإضافة اللفظية فمحل نزاع بين النحاة.

الثالث: أن تكون الحال محصورة؛"ما جاء زيد إلا راكبًا"،"إنما جاء زيد راكبًا"، يمتنع تقديم الحال على صاحبها.

وأما المرفوع والمنصوب فنقول: هذا جائز باتفاق، محلّ إجماع، وهو المفهوم، وأما المفهوم الوارد في البيت من كون المضاف يجوزُ التقديم هذا مفهومٌ باطل، وهذا بناءً على أن المفهوم له عموم، المفهوم هل له عموم أم لا؟ محلّ نزاع عند الأصوليين. هنا المفهوم عام، وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ، إذن قيّدَ الحكم بماذا؟ المنطوق أنه يُمنَع سبقُ الحال إذا كان صاحبُ الحال مجرورًا بحرف، مفهوم المخالفة .. لأن الحكم هنا حكم بالمشتق، وتعليقُ الحكم بالمشتق حينئذٍ نقولُ: له مفهوم، (( السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ) )، إذا لم يسرقا لا قطعَ، مفهومٌ عكسي. المفهومُ هنا يشمل ثلاثة أشياء: المرفوع والمنصوب والمضاف.

حينئذٍ إذا قلنا: لا عموم للمفهوم كيف نُخصّص؟ فيردُ الاعتراض على الناظم.

نقول: كان الأولى أن يستثنيه ولم يستثنه، تقول له: لا من بابٍ أولى. يقول: لا، لا يصلح لماذا؟ لأن المفهوم لا عموم له، وإذا قلنا: بأن المفهوم له عموم -وهو المرجح عند الأصوليين- حينئذٍ صحّ التخصيص، فيُخصّص المفهوم بالمضاف للإجماع، ولنا أن نقيسَه على الملفوظ من باب قياس الأولى، وهو أنه إذا مُنِع الأصل فالفرع من باب أولى وأحرى.

ثم قال رحمه الله:

وَلاَ تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ... إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ

أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيفَا ... أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلاَ تَحِيفَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت