وَالثَّاني اجْرُرْ: يعني: والثاني هذا مفعول مُقدَّم، اجْرُرْ: يعني: من المتضايفين، أي: احكم بكون المضاف إليه مجرورًا أبدًا، سواءٌ لُفِظ به أم لا، والعاملُ فيه هو المضاف، على الصحيح، وهو مذهبُ سيبويه، وعليه الجمهور، لا بمعنى اللام خلافًا للزجاج ولا بالإضافة، ولا بحرف جرٍّ مُقدّر، حرف جر أصلي، فيه أربعة مذاهب، والصواب أن المُضاف إليه مجرور بالمضاف، وأعظمُ الأدلة على ذلك اتصالُ الضمير بالمضاف؛ لأن الضمير لا يتصلُ إلا بعامله، ولذلك تقول: غلامُه بالضمير اتصل به، غلامك.
إذن: وَالثَّاني اجْرُرْ، والعامل فيه المضاف نفسُه: غلامُ زيدٍ، فتقول: جاءَ غلامُ، غلامُ على أصله مرفوع بـ (جاء) ؛ لأنه فاعل، ولذلك لم يتعرّض له الناظم.
قال: وَالثَّاني اجْرُرْ: الذي هو المضاف إليه، فتقول: غلام مضاف وزيدٍ مضاف إليه مجرور والعامل فيه (غلامُ) .. نفس اللفظ، كما تقول: غلامُ مرفوع بـ (جاءَ) نفسه، حينئذٍ تقول: زيدٍ: بجرور بغلام نفسه، وهو المضاف، وعمِلَ وهو كونه جامدًا والأصل في الجامد أنه لا يعملُ؛ لأنه اقتضى ما بعدَه كاقتضاء اسم الفاعل لما بعده، يعني: له طلب، لا يتمّ معناه إلا بما بعده، وقلنا: هذه العلة هي التي اقتضت العمل أصلًا في الفعل وفي غيره، لماذا يعملُ الفعل؟ لاقتضائه لما بعدَه، لماذا كان الفعل أصلًا؟ لشدّة اقتضائه لما بعده؛ لأن فيه إبهاما لا يزيله إلا العوامل، ثم الاسم عمل لاقتضائه، وُجِدت العلة التي في الفعل، ولم تكن أصلًا فيه لأن العلةَ الموجودة في الفعل ليست موجودة في الاسم، وهو شدّة الاقتضاء.
كذلك المضاف إذا قلتَ: غلامُ على نيّة الاضافة، زيدٍ نقول: لا يتم معنى غلامُ إلا بإضافته إلى زيد، وهذا معنى الاقتضاء، بمعنى أنه يطلبُ ما بعدَه طلبًا في تتميم معناه، ولا يتمّ معناهُ إلا بلفظ زيد، لا بمعنى اللامِ خلافًا للزجاج؛ لأنه سيأتي أن اللام مُقدّرة من جهة المعنى، وقيل: إن (زيدٍ) هذا مجرور باللام المقدرة، وهذا ضعيف، لماذا؟ لأن الحرف لا يعملُ وهو مُقدّر، ولا بالإضافة التي هي نسبة تقييدية بين اسمين تُوجِب لثانيهما الجرّ أبدًا، هذه الإضافة، هي عامل معنوي، حينئذٍ نقول: هل المضاف إليه مجرور بالإضافة التي هي عامل معنوي؟ نقول: لا، لماذا؟ لأنّ عندنا أمرين:
أولًا: إذا ظهرَ في اللفظ ما أمكنَ تعليقُ الحكم عليه فهو مُقدّر، وهنا قد أمكنَ تعليق الحكم بالمضاف، ومرَّ معنا أن عشرين ونحوه هو العامل في التمييز: عندي عشرون كتابًا، كتابًا هذا منصوب، ونصبَهُ عشرون اللفظ السابق، شبرُ أرضٍ، شبرٌ أرضًا، قلنا: هذا منصوب بالمفسَّر، والمفسَّر اسم جامد، كيف عمل؟ لاقتضائه ما بعده.
القولُ هو عينُ القول في المضاف، يزيدُ عليه أمرٌ آخر: اتصال الضمير به، بالمضاف، والضمير لا يتصلُ إلا بعامله، تقول: ضربته اتصلَ بعامله، إنه: اتصلَ بعامله، إنك نقول: اتصل بعامله، غلامُه الضمير هنا مضاف إليه، وقد اتصلَ بعامله، ولذلك كان أرجحَ من أن يُقال: بأن العامل هو الإضافة؛ لأنها عامل معنوي، ولذلك لا يصحُّ تعليق العمل بالعامل المعنوي البتة إلا ما اضطررنا إليه، وهو الابتداء والتجرد فقط، وما عداه يبقى على أصله.