يجوز إذا كان فعله مُلازمًا للبناء للمجهول كزُكم لعدم الإلباس حينئذٍ، لا يلتبس، أما (من ضربٍ) نقول: من ضربٍ هذا يُستعمل مبنيًا للمعلوم ومغيرَ الصيغة، حينئذٍ يحتمل أما (زُكم) هذا لا يحتمل إلا نائب فاعل. لعدم الإلباس حينئذٍ، إذن أبو حيان فصَّلَ فقال: يجوز إذا كان فعله ملازمًا للبناء للمجهول كزُكم لعدم الإلباس حينئذٍ؛ لأنه لا يرفع فاعلًا وإنما يرفع نائبَ فاعل فقط، فيجوزُ أعجبني زكامٌ زيد (زكام) فاعل، و (زيد) هذا نائب فاعل، هل يحتمل أنه فاعل؟ لا، لا يحتمل، لماذا؟ لأن زكام هذا مصدر، فعله زُكم لا يرفع فاعلا، حينئذٍ المصدر يُلحَق بفعله إن رفعَ فاعلًا حينئذٍ يرفع فاعلًا، إن تعيّنَ رفعه لنائب الفاعل، حينئذٍ تعيّنَ، وهذا مثال غريب، فالأقوال ثلاثة حينئذٍ: المنع، الجواز، التفصيل.
يعني هل يرفعُ المصدر نائب فاعل؟ قول بالمنع للإلباس، قول بالجواز وهو مذهب جمهور البصريين، التفصيل وهو مذهب أبو حيان، وهذا جيد مذهب أبي حيان، أنه إذا كان الفعل لم يُسمع له أنه رفع فاعلًا وإنما يكون ملازمًا للبناء للمجهول جازَ لمصدره أن يرفعَ نائب فاعل؛ لأنه لا يلتبس، وأما (عجبت من ضرب عمرو) على أنه نائب فاعل هذا مُشكل، هذا يوقع في اللبس، إذن يُفارق المصدر فعله في هذين الأمرين.
بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ في الْعَمَلْ ... مُضَافًا أَوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ أَلْ
هذا بين لك على الترتيب التنازلي في أن المصدر يعمل مطلقًا، سواء كان مُضافًا إلى غيره .. سواءٌ كان المضاف إليه فاعلًا أو مفعولًا به على التفصيل الآتي، أَوْ مُجَرَّدًا يعني من الإضافة وأل، حينئذٍ يعمل، وهذا محل وفاق.
أَوْ مَعَ أَلْ: بأن كان مُحلًا بأل.
ففي هذه المواضع الثلاث يجوزُ إعمال المصدر، لكنها ليست على مرتبة واحدة، ولذلك قَدّم المضاف لأنه مُتفق على إعماله. أشارَ في النظم إلى الترتيب فإعمال الأول أكثر الذي هو المضاف، وهذا محلّ وفاق بين النحاة أنه يعمل، والثاني أقيس .. المجرد، أقيس لماذا؟ قالوا: لأنه .. والعلة عندهم إنما أعمل المصدر لمشابهته الفعل، وكلما تجرّدَ المصدر عن أل والإضافة -ومعلوم أن أل والإضافة من خصائص الأسماء-، كلّما تجرد عنهما ازدادَ قربه بالفعل؛ لأنَّ الفعل في قوة النكرة، بل في معنى النكرة، وكذلك المجرد هو نكرة.
حينئذٍ إذا أُضيف التبسَ به ما هو من خصائص الأسماء فأبعده الشبه، كذلك إذا حُلِّي بأل نقول: اتصلَ به ما هو من خصائص الأسماء، حينئذٍ ابتعدَ عن الفعل، ولذلك كانت على الترتيب، وإن كانَ الأصل أن المجرد هو الذي يكون أكثر، لكن سُمِع من جهة نقل العرب إعمال المضاف أكثر مِن المجرد، مع كون المجرد أقيس من المضاف؛ لأن الأصل في المضاف أن لا يعمل، وإن عملَ فعمله يكون قليلًا وضعيفًا؛ لأنه تلبّس به ما هو من خصائص الأسماء.