وشرَط في التصريح لحذف المتعجب منه منصوبًا كان أو مجرورًا: أن يكون ضميرًا، إذن لا مطلقًا، أن يكون ضميرًا، فلا يجوز الحذف في نحو: أحسن بزيدٍ، بزيدٍ ما يجوز أن تحذف بزيد، أحسن وتسكت؟ لا. لا بد أن يكون ضميرًا، (( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) ) [مريم:38] حُذف الضمير، وهنا له شرط آخر سيأتي.
فلا يجوز الحذف في نحو: أحسن بزيدٍ؛ لعدم الدليل عند الحذف، ولا في نحو: زيدٌ أحسِن بزيد، قد يقول قائل: أحسن بزيدٍ لا يجوز الحذف لعدم وجود الدليل، لكن زيدٌ أحسِن بزيدٍ قد يجوز حذف الثاني بزيد لوجود زيد الأول! نقول: لا. لا يجوز كذلك. لأن الإظهار في موضع الضمير في نحو ذلك لنكتة؛ لأنه لو أراد أنه هو هو، لقال: زيدٌ أحسن به؛ لأن البيان والبلاغة أنه لا يوضع المظهر في مقام المضمر إلا لنكتة، ولذلك دائمًا نقول: قال الكلامُ، ثم يقول: باب الكلامِ، الكلامُ نقول: أظهر في مقام الإضمار، والأصل أن يقول: وهو يأتي بالضمير، لا بد من نكتة، قد يتساهلون في المتون، لكن في البيان والبلاغة لا بد من إظهار نكتة، فحينئذٍ إذا قال: زيدٌ أحسن بزيدٍ. لم يأت بالضمير به، علمنا أن ثم نكتة، فلا يجوز حذف بزيدٍ لذهاب هذه النكتة والفائدة.
إذن ولا في نحو: زيدٌ أحسن بزيدٍ؛ لأن الإظهار في موضع الضمير في نحو ذلك لنكتة تفوت بالحذف، وعلى قياسه لا يجوز الحذف في نحو: ما أحسن زيدًا، زيدًا لا يجوز الحذف؛ لأنه لا يعلم، وزيدٌ ما أحسن زيدًا كذلك لا يُعلم؛ لأنه ذكره لنكتة، وشرط الحذف في أفعِل .. الصيغة الثانية: أن يكون أفعِل معطوفًا على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف، الآية واضحة: (( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) ) [مريم:38] أبصر بهم، حذف بهم الثاني لوجوده في الأول، لا بد أن يكون معطوفًا على أفعِل مذكورٌ معه مثل المحذوف، فإن لم يكن كذلك حينئذٍ صار شاذًا؛ لأنه لا بد من قرينة وليس عندنا قرينة من نفس التركيب، أحسن بهم نقول: لا بد من عطفه على مثله. وشرط الحذف من أفعِل أن يكون أفعِل معطوفًا على آخر مذكور معه مثل ذلك المحذوف كالآية التي ذكرناها: (( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) ) [مريم:38] أي: بهم، حذف الثاني بهم لدلالة الأول عليه، إذن قرينة واضحة بينة.
وذهب الفارسي إلى أنه لم يحذف وأنه استتر في الفعل حين حذفت الباء ورُدَّ بوجهين:
أولًا: لزوم إبرازه حينئذٍ مع التثنية والجمع.
الثاني: أن من الضمائر ما لا يقبل الاستتار كـ (نا) أكرم بنا، الفارسي يقول: ليس عندنا حذف، وإنما حذفت الباء ورجع الضمير استتر .. صار مستترًا، أكرم موجود الضمير، أكرم بنا نقول: (نا) هنا لا يستتر؛ لأنه فاعل، حينئذٍ كيف نحكم عليه بأنه مستتر؟ ثم أكرم بهما، أكرم بهم .. لو استتر لبرز؛ لأنه مثنى وجمع، لما لم يبرز علمنا أن ثم حذفًا.
فمثال الأول وهو المنصوب:
أَرَى أُمّ عَمروٍ دَمعُها قَدْ تحَدّرا ... بُكَاءً عَلى عَمرٍو وَمَا كَان أَصْبَرَا
وَمَا كان أصْبَرَها، إذن ضمير، لو كان اسمًا ظاهر لا يجوز الحذف.