إذن: دخل حرف الجر على بئسَ فدل على أنها اسمٌ، كذلك: بنعمَ الولدُ، دخلت الباء على نِعمَ فدل على أنها اسمٌ، حينئذٍ يرد الإشكال لابد من الجواب، ونحن نسلم معهم بأن حرف الجر من خصائص الأسماء، لكننا لا نسلم بأننا ظاهريون، وهو أنه كلما وجد حرف الجر داخلًا على كلمة فهي اسمٌ، لا، نقول: مدخول حرف الجر قد يكون اسمًا ظاهرًا وقد يكون اسمًا مؤولًا بالظاهر، اسمًا ظاهرًا منطوقًا به، وقد يكون اسمًا مؤولًا بالظاهر، لما ثبتت فعلية بئس ونعم باتصال ما هو من خصائص الأفعال بهما، حينئذٍ تعين أن نحمل بئس ونعم في هذين المثلين على أن حرف الجر لم يدخل على بئس ونعم، وإنما دخل على اسم؛ لأنه من خصائص الاسمية، فلابد أن يكون ما بعده اسم، وأمكن تأويل هذين المثلين، حينئذٍ نقول: لا خلاف بين دخول حرف الجر وبين اتصال تاء التأنيث بنعم وبئس، كل منهما على مورد، حينئذٍ لا خلاف، ولذلك أُوِّلَ دخول حرف الجر"على"على بئس والباء على نِعمَ، لكونهما مفعولين لقول محذوف، يعني: دخل حرف الجر على موصوفٍ محذوف، ما هي بنعم الولد، يعني: ما هي بولد مقولٍ فيه نِعمَ الولدُ، ما هي بولد مقول فيه حذف الموصوف وصفته وهو ولد، ما هي بولدٍ، إذن: الباء دخلت على ولد وهو اسمٌ، ولا إشكال فيه، الولد هذا موصوف بصفة، ما هي الصفة؟ مقولٍ فيه، فحذف الموصوف وصفة الموصوف، الولد والمقول حذفهما معًا، وأقيم مقول القول الذي هو نعم الولد مقام المحذوف فدخلت الباء عليه في اللفظ، حينئذٍ نحكم بكون الباء في (بنِعمَ) بأنها لم تدخل على نِعمَ مباشرة، وإنما دخلت على موصوف محذوف وصفته. لقول محذوف واقع صفة لموصوف محذوف، وهو المجرور بالحرف لا نِعمَ وبئس، والتقدير: نِعمَ السير على عير مقولٍ فيه بئس العير، وما هي بولد مقولٍ فيه نِعمَ الولدُ، وهذا واضح بين، قد يقول قائل: لماذا تؤولون؟ نقول: لأنه قد سمع دخول حرف الجر على ما هو متفق عليه بيننا وبينهم، وهو الفعل الماضي.
والله مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُه
والله مَا لَيْلِي بِنَامَ: نَامَ نَامَ فعل ماضي باتفاق البصريين والكوفيين، إذن: هل نقول بدخول حرف الجر هنا على نَامَ صار اسمًا؟ لن نقول لا الكوفيون ولا البصريون، حينئذٍ نقول: دخول حرف الجر هنا على نام هل هو مخرج له عن الفعلية، بكون حرف الجر لا يدخل إلا على الاسم؟ نقول: لا؛ لأن حرف الجر ليس ظاهرًا بأن كل ما دخل على لفظٍ حكمنا باسميته، نقول: لا، قد يكون داخلًا على محذوف، والله ما ليلي بليلٍ مقولٍ فيه نام صاحبه.
إذن: مثل التقدير الذي قدرناه هناك، فلما وجِدَ مثل هذا المثال: والله مَا لَيْلِي بِنَامَ واتفقنا على تأوليه، حينئذٍ لما اتصلت التاء واتصلت الضمائر بنعم وبئس حكمنا عليهما بكونهما فعلين وأولنا بنعم الولد وعلى بئس العير، وهذا أمر مطرد وجمعًا بين النصوص وجمعًا بين الأدلة، وأما الكوفيون فمذهبهم ضعيف في هذا.