الوجه الثاني في تقرير المدح هنا: أنه لما قصدوا المبالغة عدَّوا المدح إلى الجنس مبالغة، ولم يقصدوا غير مدح زيدٍ، فكأنه قيل: ممدوح جنسه لأجله، يعني: مُدح الجنس ظاهرًا لا حقيقة، وهذا أشبه ما يكون بالقول الثاني وهو المجازي؛ أنه لما قصدوا المبالغة عدوا المدح إلى الجنس مبالغة يعني في المدح، ولم يقصدوا غير مدح زيدٍ، فكأنه قيل: ممدوحٌ جنسُه لأجله، فالجنس ممدوح تبعًا لا قصدًا، يعني: القول الأول أن الجنس ممدوحٌ قصدًا وتبعًا لزيد، وعلى القول الثاني أن الجنس غير مراد هنا، بل مدح تبعًا لزيد. وقيل: هي للجنس مجازًا، فإذا قلت: نعم الرجلُ زيدٌ، جعلت زيدًا جميع الجنس مبالغةً ولم تقصد غير مدح زيد، يعني: كأنك أسندت المدح إلى الجنس ظاهرًا، وأنت مقصودك بالمدح زيد فحسب، لم تقصد الجنس، وإنما ذكرت الجنس مبالغة فحسب، ولذلك الأكثر على أنه ليس مجازًا. وقيل: هي للجنس مجازًا، وكأنك قد جعلت زيدًا الجنس كله مبالغةً، وقيل: للعهدِ، ثم اختلف، قيل: العهد الذهني، وقيل: العهدُ الخارجي، فعلى القول بأنها للعهدِ الذهني؛ لأن مدخولها فرد مبهم؛ وذلك كقول القائل: ادخل السوق، اشتري اللحمَ، إذا قال قائل: اذهب إلى المسجد، ولم يكن ثم بينك وبينه عهد، هل المراد أل هنا تشمل كل المساجد؟ اذهب صلِّ في المسجد، أو اذهب إلى السوق، أو اشترِ اللحم، لو قيل: أل هنا للاستغراق أو للجنس، حينئذٍ دخل كل سوق تحت قولنا: ادخل السوق، ودخل كل مسجد تحت قولنا: ادخل المسجد أو صلِّ في المسجد، نقول: لا، المراد به هنا واحد مفرد .. فرد، لكنه مبهم غير معين، فصار كأنه معين من جهة العرف؛ لأنه لا يتصور عقلًا أنك تدخل كل سوق أو أنك تصلي في كل مسجد أو أنك تشتري كل ما يصدق عليه اللحم، لا، المراد بالحقيقة العرفية المتعارف بين المخاطب والمتكلم أنك إذا قيل لك: ادخل السوق يعني: سوق واحد، لكن هذا السوق غير معين، فهو فردٌ مفهم، فإذا قيل: نعم الرجلُ فحينئذٍ مدحت واحدًا فقط، لكنه فرد مفهم، ثم عينته، فقلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ وهذا أقرب إلى الحقيقة من ذاك الذي تمدح الناس كلهم من أجل زيد. ادخل السوق ولا تريد الجنس ولا معهودًا بينك وبين المخاطب، أما لو كانت أل للعهد لا، الحكم يختلف، لو قلت لك: ادخل السوق وأنا بيني وبينك معهود .. سوق معين لا، ليس الأمر كذلك، وإنما المراد إذا لم يكن بيني وبينك خطاب يعني سابق، حينئذٍ نقول: أل هنا للعهد الذهني والمعهود مفرد أو فرد مبهم غير معين، فإذا قيل: نعم الرجلُ مدحت الرجل، لكنه مبهم وهو فرد داخل تحت الرجل، ثم عينته فقلت: زيد.
وقيل: للعهد الخارجي والمعهود هو الفرد المعين يعني: الشخص الذي مدحته، الذي هو المخصوص بالمدح أو الذم، فالرجل في نِعمَ الرجل: زيد، نِعمَ الرجلُ: من هو؟ زيد معين، فرد معين، ثم قلت: زيد، والأصل أن يقول: نِعمَ الرجلُ هو، لكنه أقيم هنا الظاهر مقام الضمير، وإلا الأصل أن يقال: نِعمَ الرجلُ هو.