إذًا التوكيد نقول: هذا تفعيل من فعَّل يُفعِّل تفعيلًا، وكَّد يوكِّد توكيدًا، وهو مصدر في الأصل نقل وجعل علمًا على التابع المخصوص ومعناه اللغوي وهو التقوية مراد كذلك. التَّوْكِيدُ لم يعرفه النحاة، لم يشتغلوا بتعريفه كعطف البيان، والنعت، لماذا؟ لأنه ألفاظ محصورة، هو نوعان: توكيد لفظي وهذا يكون بإعادة اللفظ لا يحتاج إلى تعريف، أعد اللفظ مرة أخرى صار توكيدًا لفظيًا، لا نحتاج أن نتعب أنفسنا ونأتي بتعريفه، إعادة اللفظ الأول بعينه أو بمرادفه: قام قام زيد، لا لا لا. نقول: هذا كله توكيد: نعم نعم، بلى بلى، هذا توكيد لفظي، إذًا لا نحتاج إلى تعريفه، والمعنوي نفسه وعينه وكلهم وأجمعون .. سبعة ألفاظ محصورة، وما كان معدودًا بالعد سبعة ألفاظ لا يحتاج إلى حد، ولذلك نقول: التوكيد نوعان: توكيد معنوي، وتوكيد لفظي، وقدم الناظم هنا التوكيد المعنوي على التوكيد اللفظي، والمراد بالتوكيد المعنوي أن ثم ألفاظًا معدودة بالسبعة سيأتي ذكرها في النظم واحدًا واحدًا، وهذه يؤكد بها ويُقَوَّى المتبوع ولا يستعمل غيرها في موضعها، فهي توقيفية، يعني: لا يقال هذا اللفظ يستعمل توكيدًا، نقول: لا. هذا ليس من عندك، الأمر موقوف على السماع، فهي سبعة ألفاظ المشهور منها، وزاد بعضهم ثلاثتهم وغيرها، لكن نقول: هذا كله استعماله في التوكيد نادرًا، ثم هو مختلف فيه وأما الذي ذكره الناظم فكله متفق عليه، والشروط المذكورة كلها في الجملة متفق عليها، فباب النعت وباب التوكيد الإجماع فيه كثير.
فبدأ بالتوكيد المعنوي فقال:
بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا ... مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا
وَاجْمَعْهُمَا بِأَفْعُلٍ إِنْ تَبِعَا ... مَا لَيْسَ وَاحِدًا تَكُنْ مُتَّبِعَا
النفس والعين، هذان لفظان يؤكد بهما الاسم، فيقال: جاء زيد نفسه، وجاء عمرو عينه، ويجمع بينهما كما سيأتي.
(بِالنَّفْسِ أَوْ بِالعَيْنِ الاِسْمُ أُكِّدَا) ، بِالنَّفْسِ جار ومجرور متعلق بقوله: أُكِّدَا، وبِالعَيْنِ معطوف عليه كذلك.
(أَوْ) مانعة خلو، يعني لا يلزم منهما الجمع.
(الاِسْمُ) هذا مبتدأ، وأُكِّدَا الألف للإطلاق، أُكِّدَا فعل ماضي مغير الصيغة، ونائب الفاعل يعود على الاسم، وهو الرابط بين الجملة الخبرية وبين المبتدأ، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. الاسم أكدا بالنفس أو بالعين، وهل تقديم بالنفس أو بالعين وهو متعلق بأكدا يفيد الحصر؟ الجواب: لا. وإنما ذكر أو قدم إما من أجل النظم وإما من أجل الاهتمام بهذين اللفظين؛ إذ لهما شروط ولهما استعمال قد لا يكون في غيره، وهما أشهر استعمالًا من غيرهما، فحينئذٍ نقول: تقديم ما حقه التأخير لا يفيد الاختصاص ولا القصر؛ لأنه سيذكر أن ثم ما يؤكد به غير النفس والعين، النفس في الأصل المراد بها الذات، هذا الأصل في استعمالها (( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ) ) [المائدة:116] جاء زيد نفسه أي: ذاته، نفسه استعمال حقيقي في إرادة الذات جاء زيد نفسه، نفسه يعني: ذاته، فرفع احتمال المجاز.