هنا قال ابن عقيل: مذهب البصريين أنه لا يجوز توكيد النكرة سواء كانت محدودة أو غير محدودة، يعني لها أول وآخر، شهر له أول وآخر، أسبوع له أول وآخر محدود، وكذلك يوم له أول وآخر، وأما زمن، ووقت، وساعة، وبرهة، وحين .. ألفاظ ليس لها أول ولا آخر، إن أُكِّد المحدود المؤقت حينئذٍ أفاد، وإن أكِّد غير المحدود حينئذٍ لم يفد، مذهب البصريين المنع مطلقًا، ولذلك قال هنا: سواء كانت محدودة أو لا. كيوم وليلة وشهر وحول أو غير محدودة كوقت وزمن وحين.
ومذهب الكوفيين واختاره المصنف وصححه ابن هشام، جواز توكيد النكرة المحدودة لحصول الفائدة بذلك.
إذًا نقول: النكرة نوعان: نكرة محدودة ونكرة غير محدودة.
النكرة المحدودة: هي التي لها مدة معلومة، معلومة المقدار كأسبوع، ويوم، وليلة، وشهر، وحول .. هذه محدودة لها أول وآخر، وغير المحدودة هي التي تصلح للقليل والكثير يعني: ليس لها ولا آخر، لا ابتداء ولا انتهاء مثل: زمن، ووقت، وحين، ومدة، وساعة، ومهلة.
والثاني متفق على منعه لعدم الفائدة، ما هو الثاني؟ غير المحدود، قال: وهذا متفق بين البصريين وإلا حكي خلافه، لكن بين عموم البصريين والكوفيين متفق على أنه لا يؤكد لعدم الفائدة؛ لأنه لو قال: قد انتظرتك وقتًا كله، ما الفائدة، انتظرتك وقتًا .. وقت نصف ساعة، ساعة، يوم، يومين .. يحتمل قليل وكثير، إذا قال: كله ما الفائدة؟ ليس فيه فائدة؛ لأن وقتًا ليس له أول ولا آخر، فإذا أكده لا فائدة، وأما الأول وهو المحدود فأجازه الكوفيون واستدلوا على ذلك بدليلين: الأول: السماع، ورد السماع، وإذا ورد السماع صار هو الأصل.
فورد السماع عن العرب المعتد بكلامهم، ومنه قول القائل: تَحْمِلُنِي الذَّلفَاءُ حَولًا أَكْتَعَا، أكتع هذا من توابع أجمع، حولًا: حول له أول وله آخر، وأكده بأكتعا، إذًا سمع.
(يَا لَيْتَ عِدّةَ حَوْلٍ كُلِّه رَجَبُ) أكد حول، (قَدْ صَرَّتِ البَكْرَةُ يَومًَا أَجْمَعَا) يَومًَا أَجْمَعَا إذًا أكده، انظر: حولًا ويومًا هذه نكرة محدودة لها أول ولها آخر، إذا ورد.
ثانيًا: حصول الفائدة مع وجود الدليل وهو السمع، حينئذٍ نلحظ من جهة المعنى ففي توكيد النكرة المحدودة فائدة، بخلافها في غير المحدودة، فمثلًا يوم معلوم المقدار، فإذا قلت: قد انتظرتك يومًا جاء الاحتمال، ما هو الاحتمال؟ بعض اليوم، نصفه، ثلثه، غالبه .. يحتمل، فحينئذٍ إذا أكد هل حصلت فائدة أم لا؟ حصلت فائدة، فإذا قلت: انتظرتك يومًا كله يعني: أربعة وعشرين ساعة من أوله إلى آخره، لكن يومًا هذا محتمل أنك أطلقت العام وأردت به الخاص، أو إطلاق الكل مرادًا به الجزء، فهو وارد.
إذًا إذا قال: قد انتظرتك يومًا كان محتملًا للمجاز، أو إن شئت قل: من إطلاق الكل مرادًا به الجزء.
أنه يقارب اليوم إما نصفه أو أقل أو أكثر، فإذا قال: قد انتظرتك يومًا كله فقد أزال بلفظ كله الاحتمال، ومنه صمت شهرًا، يحتمل أنه ثمانية وعشرين يوم، أقل من هذا، ويحتمل النصف، ويحتمل الثلث، لكن إذا قال: صمت شهرًا كله، رفع الاحتمال، إذًا حصلت الفائدة، ولذلك كل من نظر في مذهب الكوفيين علم أنه هو أصح.