وأمَّا إذا اقتضيا إضرابًا فإنهما يُشرِّكان في اللفظ فقط، وهذا واضحٌ بيِّن لماذا؟ لأنهما بمعنى: (بل) وتقرر أن (بل) إنما تكون للتشريك اللفظي فحسب دون المعنى، وإنما لم ينبه عليه الناظم لأنه قليل، يعني: لماذا الناظم لم يجعل (أم) و (أو) مع (بل) و (لكن) و (لا) ؟ نقول: جعل النوعين مع الكثير الغالب، وأمَّا مجيء (أم) و (أو) للإضراب هذا مختلفٌ فيه، يعني: حتى (أو) فيه خلاف بين النحاة: هل تأتي للإضراب أم لا؟ كما سيأتي.
فجعلهما الناظم مما يُشرِّك في اللفظ والمعنى باعتبار أن ما قبلها وما بعدها مستوٍ في المعنى الذي سيقا له من شكٍ وغيره، إذًا: وضح عندنا أن (أم) و (أو) يكونان لتشريك ما بعدهما لما قبلهما في المعنى، سواءٌ كانت (أم) في التسوية، أو (أو) في المعاني التي سيقت لها، وهي السبعة الآتي ذكرها.
ثم شرع في بيان معاني الحروف.
إذًا: عدَّها أولًا، ثم فصَّل:
فَاعْطِفْ بِوَاوٍ سَابِقًا أَوْ لاَحِقًَا ... فِي الْحُكْمِ أَوْ مُصَاحِبًا مُوَافِقًَا
(فاعْطِفْ) الفاء .. ما نوع الفاء؟ التفريع .. طيب! الآن إذا قال: فَالْعَطْفُ مُطْلَقًَا بِوَاوٍ عدَّها .. عَدَّ لنا الحروف التسعة، هل يتفرع على ذلك ذكر المعاني؟ يحتمل .. هل بعد ذكر الحروف التسعة .. هل يتصور أن سائلًا يسأل: ما معاني هذه الحروف التسعة؟ أيهما أقرب؟ الثاني.
إذًا: كلٌ منهما جائز، لكن التفريع فيه بعد، لأن الأصل في التفريع: أن ما بعدها يكون فرعًا، وذاك أصل، يعني: يكون بينهما علاقة ارتباط لا من جهة تفصيل المعاني، وإنما من جهة كون ما بعد الفاء مُفرَّعًا على ما قبله، بمعنى: أن وجوده بوجود أصله، هذا الأصل في التفريع، وهنا يمكن لكن على تأويل.
(فَاعْطِفْ بِوَاوٍ) فَاعْطِفْ يعني: جوازًا، لا يجب أنك إذا عطفت إنما تعطف بالواو دون غيرها لا، إنما المراد فاعطف، يُباح لك العطف بالواو: لاحقًا أو سابقًا أو مصاحبًا في الحكم، (فَاعْطِفْ) فعل أمر مبنيٌ على السكون لا محل له من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت، و (بِوَاوٍ) جار ومجرور متعلقًا بقوله: اعطف، (لاَحِقًا) انظر بواوٍ هذا فيه معنى التخصيص.
(فَاعْطِفْ بِوَاوٍ) يعني: لا بغيرها، لأنه خَصَّ، إذا قيد العامل بجار ومجرور فهو يعتبر من المخصصات.
(لاَحِقًا) مفعولٌ به لاعطف، (أَوْ) للتنويع، (سَابِقًا .. أَوْ مُصَاحِبًا) (سَابِقًا) معطوف على لاَحِقًا، ومُصَاحِبًا: معطوفٌ على (لاَحِقًا) ، و (فِي الحُكْمِ) جار ومجرور متعلق بسابقًا أو بلاحقًا أو مصاحبًا على قول، من يرى أنه إذا تَوسَّط الاسم بين المعمولات جاز أن يكون من باب التنازع، والصحيح قلنا: لا، إنما التنازع هنا يكون في ماذا؟ (لاَحِقًا أَوْ سَابِقًا فِي الحُكْمِ) في الحكم تنازع فيه لاحقًا أو سابقًا، ومصاحبًا هذا يحتاج إلى تقدير.
نقف على هذا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!