كذلك إذا قلت: أكلت الرغيف ثُلثَيه .. نِصفَه نقول: الرغيف وإسناد: أكلت إليه، مُحتمِلٌ لأن يكونَ بعضًا من الرغيف لا كُلَّه، فَدُلَّ عليه إجمالا، كذلك: أعجبني زيدٌ عِلمُه، عِلمُه: بدل اشتمال، حينئذٍ نقول: أعجبني زيده دَلَّ إجمالًا على بدل اشتمال.
الثالث: بدل الاشتمال: وهو بدل شيءٍ من شيءٍ يشتمل عامِلُه على معناه، هذا على رأي ابن هشام رحمه الله تعالى، إذا قيل: أعجبني زيدٌ عِلْمُه، أين بدل الاشتمال .. أين البدل؟ عِلمُه .. اشتمال، أي الشيئين اشتمل على الآخر .. هل العلم اشتمل على زيد، أو زيد مشتملٌ على العلم، أو العامل: أعجبني، هو الذي اشتمل على البدل؟ هذا محل النزاع .. ثلاثة أقوال.
قيل الأول: هو المشتمل على الثاني: زيد اشتمل عِلْمَ .. الذي يليه، وقيل: العلم هو مشتملٌ على زيد الثاني، وقيل: العامل.
والظاهر أنه العامل، وإن كان اشتهر عند النحاة أنه الثاني، الذي هو العلم مشتملٌ على زيد، أو زيد مشتملٌ على العلم، وإن كان العلاقة بينهما علاقةٌ بغير الكلية والجزئية كما سيأتي.
اختلف النحاة في المشتمل في بدل الاشتمال فقيل: الأول الذي هو المُبْدَل منه السابق: أعجبني زيدٌ علمه، وقيل: الثاني، الذي هو البدل، وقيل: العامل، الذي هو: أعجبني، واختار ابن مالك: بأن المشتمل هو الأول .. المُبْدَل منه، وقال الفارسي:"المشتمل هو الثاني"واختار ابن هشام: أن المشتمل هو العامل في المُبْدَل منه، وهو رأي المُبَرِّد، والسيرافي، وابن جِنّي، قيل: وهو الصحيح، وهو الظاهر.
فمثلًا قولك: أعجبني زيدٌ علمهُ، فالإعجاب اشتمل على كلٍ من البدل والمُبْدَل منه، لأن الذي أعجبك زيد، وأعجبك أيضًا علمه، فهما محلٌ الإعجاب، إذًا أعجبني: العامل هو الذي اشتمل على البدل والمُبْدَل منه. فالإعجاب اشتمل على كلٍ من البدل والمُبْدَل منه، ونحو: سُرِقَ زيدٌ ثوبُه، أو فرسُه، فإن السرقة واقعةٌ على المبدل منه وهو زيد بطريق التجَوّز، سُرِقَ زيدٌ ثوبه، نقول: سرق هنا اشتمل على زيد، واشتمل على الثوب أو الفرس، اشتماله على زيد، لم يُسرق هو بعينه وإنما ثوبه، لكن يصح إسناد السرقة لزيد من باب المجاز .. تجَوّز، وإلى الثوب حقيقةً، إذًا: اشتمل اللفظ: سُرِقَ، على المُبْدَل والمبدل منه. وعلى ثوبه أو فرسه بطريق الحقيقة، فهذا القول مطرد في كل الأمثلة، لو أرَدْتَ أن تسلك الأمثلة تجد أن العامل يشتمل على المُبْدَل والمُبْدَل منه، لكن لو قيل بالأول أو بالثاني قد لا يطرد، وإليك الأمثلة.
بخلاف القولين الأولين، فلا يطردان في كل الأمثلة: سُرِقَ زيدٌ عبْدُه، هذا لا يشتمل زيد على العبد، زيد منفصل عنه، الثاني منفصلٌ عن الأول، فيكون رَدًا للقول الأول، ونحو: سُرِقَ زيدٌ فرسُه، الفرس ليس مشتملٍ على زيد، إذًا: لا يستقيم مع كل الأمثلة، علمه يمكن، علمه .. كلامه .. وجهه .. يحتمل هذا، أمَّا فرسه نقول: لا يشتمل الفرس على زيد. فلا يشتمل الفرس على زيد فيكون ردًا للقول الثاني.