ويمتنع إن لم يُفد، خلافًا للأخفش فإنه أجاز: رأيتك زيدًا ورأيتني عمرًا، إذًا نقول القاعدة: أنه يجوز بدل الظاهر من الضمير، لكن بشرط أن يكون الضمير لغائب، أو لحاضرٍ بأن يكون بدل بعض، أو بدل اشتمال، أو بدل كل بشرط أن يكون مفيدًا للإحاطة، وهذا الذي عناه بقوله: (وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الظَّاهِرَ لاَ تُبْدِلْهُ) ، الظاهر لا تبدله من ضمير الحاضر، (مِنْ ضَمِيرِ) قلنا: هذا مُتَعلِّق بقوله: (لاَ تُبْدِلْهُ) ، و (الظَّاهِرَ) هذا مفعولٌ به لفعلٍ محذوف، لا تبدل الظاهر لا تبدله.
والمراد بالحاضر هنا: مُتَكلِّمًا كان أو مخاطِبًا، والمراد به الضمير البارز منهما، لأن ضمير الحاضر المستتر لا يبدل منه مطلقًا، فإن ورد ما يوهم ذلك قُدِّرَ للثاني فعلٌ من جنس الفعل المذكور، ولذلك قيل: تعجبيني جمالك، ويكون من إبدال الجملة.
(إِلاَّ) هذا استثناء، (مَا إِحَاطةً جَلاَ) ، (إِلاَّ مَا) يعني: ظاهرًا جلا إحاطةً، ظاهرًا جلا يعني: اتضح، جَلَا يَجلو، (إِحَاطَةً) هذا مفعولٌ به لقوله: جَلَا، وإِلاَّ هذه أداة استثناء، ومَا: منصوبٌ على الاستثناء، إلا ظاهرًا كان بدل كلٍّ وجلا إحاطةً، ولا تحمل هنا (ما) على البدل، وليست (ما) واقعةً على بدل، لأنه يبطله العطف الآتي، لأنه قال: أَوِ اقْتَضَى بَعْضًَا أَوْ ظاهرًا كلٌ جلا إحاطةً، حينئذٍ (ما) هنا واقعةٌ على لفظٍ ظاهر، وليست واقعة على البدل، لماذا؟ لأنه عطف عليها (أَوِ اقْتَضَى) فدل على أن المراد به الظاهر.
(أَوِ اقْتَضَى بَعْضًَا) هذا معطوفٌ على قوله: (مَا) ، (أَوِ اشْتِمَالاَ) ومثاله مثال الاشتمال، لأنه كان بدل اشتمال (كَإنَّكَ) ، (كَإنَّكَ) كقولك: (إنَّك) لأن الكاف داخلة على قولٍ محذوف، والهمزة حينئذٍ تكون مكسورةً، (كَإنَّكَ ابْتِهَاجَكَ اسْتَمَالاَ) ، (كَإنَّكَ) : (إن) والكاف هذه في محل نصب اسمها، (ابْتِهَاجَكَ) أي: فرحك، حينئذٍ يكون من بدل الاشتمال، ابتهاج: مصدر، وبينهما علاقة ليست بكلية ولا الجزئية، مثل: أعجبني علمه .. أعجبني كلامه إلى آخره، (اسْتَمَالاَ) السين والتاء زائدتان، أو للصيرورة، أي: أمَلت القلوب إليك، أو صَيَّرتَها مائلةً إليك، و (اسْتَمَالاَ) الألف هذه للإطلاق وهو فعل ماضي، والفاعل ضمير مستتر يعود على الكاف اسم إنَّ، فحينئذٍ تكون الجملة في محل رفع خبر إنَّ.
إن ابتهاجك: ابتهاجك هذا بدل اشتمال من الكاف، و (اسْتَمَالاَ) الجملة خبر إنَّ.
(وَمِنْ ضَمِيرِ الْحَاضِرِ الظَّاهِرَ لاَ ... تُبْدِلْهُ) لماذا مُنِعَ الإبدال هنا؟ قالوا: إنما لم يَجُز البدل .. إبدال الظاهر من ضمير الحاضر لعدم الفائدة، لأن ضمير الحاضر في غاية الوضوح، فلا يحتاج إلى إبدال، لأن الإبدال فيه نوع كشفٍ، وفيه نوع إيضاح، فإذا كان الضمير بنفسه واضحًا فالواضح لا يحتاج إلى إيضاح.