ناب مناب: أدعو، هذا زيادة بيانٍ لأن هذا الحرف ليس مستقلًا، وإنما هو نائبٌ عن أصلٍ فهو فرع، وهذا سبق بيانه عند بيان الإسناد .. في الكلام، قلنا: لا بُدَّ أن يكون مركبًا، والصحيح: أنه لا تركيب من حرفٍ واسمٍ، خلافًا للفارسي إذ جَوَّزه في باب النداء كما سيأتي، بناءً على أن (يا) هي عاملةٌ، أو سَدَّتْ مسَدَّ الفعل، والصحيح هو مذهب سيبويه: أن الأصل: أدعو زيدًا، فنابت (يا) مناب أدعو حُذِفَ لما سيأتي بيانه.
بحرفٍ نائبٍ مناب، إذًا: حرفٌ ليس أصليًا، فحينئذٍ نأخذ أن جملة: يا زيدُ، فرعية وليست أصلية.
ناب مناب أدعو الذي هو أصلٌ في النداء، ملفوظٍ به أو مُقَدَّر: يا زيدُ، (( رَبَّنَا آتِنَا ) ) [البقرة:200] .. يا ربنا، (( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) ) [يوسف:29] يوسف، يعني: يا يوسف، حينئذٍ حُذِفَ حرفُ النداء، إذًا: يَجوزُ حذفه كما سيأتي بيانه.
إذًا: طلبُ الإقبال بِحرفٍ نائبٍ مناب أدعو ملفوظٍ، هذا النداء أو المُنَادى؟ هذا النداء وهو المصدر، إقبال .. طلب الإقبال .. فعلك أنت، والناظم قال: النداء، ما المراد بالنداء: المعنى المصدري، أو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول؟ الثاني، لماذا؟ لأن مراده: يا زيد .. لفظ: زيد، فزيدٌ مُنَادى.
إذًا: المُنَادى في اللغة: المدعو مطلقًا .. المدعو وليس هو الدعاء، أردنا الآن الألفاظ: المدعو مطلقًا، سواءٌ كان بحرفٍ أم لا، وعند النحاة: المُنَادى الذي هو اللفظ الذي تترتب عليه أحكام هو المدعو بحرفٍ من هذه الحروف خاصةً.
إذًا: فرقٌ بين النداء وبين المُنَادى، مُنَادى: اسم مفعول، نُودِيَ يُنَادَى فهو مُنَادَى، والأحكام هذه التي تترتب عندنا من ضمٍ ونصبٍ ونحو ذلك هذه مُتَعلِّقة باللفظ الذي هو المُنَادى، أمَّا النداء فهو تحصيل للمنادى فهو سابق، حينئذٍ نقول: المُنَادى في اصطلاح النحاة: هو المدعو بحرفٍ من هذه الحروف خاصةً.
(النِّدَاءُ) أي: هذا باب النداء، والهمزة هذا مُنْقَلبة عن واو مثل: كساء .. كساوٌ هذه أصله، وسماء أصله: سماوٌ، وقعت الواو متطرفةً بعد ألفٍ زائدة رابعةً، والأصل: سماوٌ، فقُلِبَت الواو همزةً، نِداء مثل: نداوٌ، فقُلِبَت الواو همزة.
قال رحمه الله:
وَلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا ... وَأَيْ وَآ كَذَا أَيَا ثُمَّ هَيَا
وَالهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا"لِمَنْ نُدِبْ ... أَوْ يَا وَغَيْرُ وَا لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ
أراد أن يُبيِّن لنا حروف النداء يعني: بماذا يُنَادى؟ قلنا: المُنَادى هو: المدعو بحرفٍ، هل كل حرفٍ يصلحُ للنداء؟ الجواب: لا، إذًا: لا بُدَّ من حروفٌ خاصة، ثُمَّ هذه الحروف الخاصة مبنيةً على حال النداء، لأن المُنَادى إمَّا أن يكون بعيدًا، وإمَّا أن يكون قريبًا، واحد من اثنين، وبعضهم جعل حالةًَ متوسطة: إمَّا أن يكون بعيدًا، أو متوسطًا، أو قريبًا، ولكل واحدٍ من هذه المراتب الثلاث أحرف تختص به دون غيره، وقد تكون بعض الحروف تُستَعمل في الجميع.