و (أَيْ) بفتحٍ وسكون قال المُبَرِّد:"هي لنداء القريب كالهمزة المفردة"، وقال ابن مالك:"هي لنداء البعيد كـ (يا) وقيل للمتوسط"، وهذا قول ابن برهان وهو أولى: أن يُجعل للمنادى ثلاث مراتب: بعيد ومتوسط وقريب، و (أيا) عند جمهور النحاة: لنداء البعيد، وهذا أعَدَّه ابن مالك هنا للبعيد، وفي الصحاح: أنها لنداء القريب والبعيد، قال في المغني:"وليس الأمر كذلك".
وَلِلمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا ... وَأَيْ وَآ كَذَا أَيَا ثُمَّ هَيَا
وَالهَمْزُ لِلدَّانِي وَ"وَا"لِمَنْ نُدِبْ ... أَوْ يَا وَغَيرُ وَا لَدَى اللَّبْسِ اجْتُنِبْ
إذًا نقول: النداء حقيقةً: هو طلب الإقبال بحرفٍ نائبٍ مناب أدعو، وهو واحدٌ من هذه الأحرف الثمانية، ولا يجوز أن يُدعى أحدٌ بحرفٍ غير هذه الحروف الثمانية؛ لأن المسألة توقيفية .. مبناها على لسان العرب.
ناب مناب أدعو ملفوظٍ به أو مُقَدَّر، والتقدير الغالب يكون في الهمز أو (يا) إلا إذا تَعيَّنَ (يا) حينئذٍ لا يجوز تقدير غيرها.
قال بعضهم: ولا يرِد يا زيد لا تُقبل، إذا قيل: بأنه نداء يا زيد لا تُقبل، هذا نداء أو لا .. أو تعارض صدره مع عَجُزه؟ نقول: هذا نداء لأن النداء هنا إقبالٌ على الذات: يا زيد حصل النداء، ثُمَّ: لا تُقبل، هذا الخطاب موجه إلى المُنَادى: نَاديتَه أولًا: يا زيدُ أقبل .. يا زيد خذ ما معك، إذًا: عندنا نداء وعندنا نهي: يا زيدُ لا تُقبل، أيهما المُنَادى؟ زيد، إذًا: نَاديتَه أولًا يا زيدُ ثُم خاطبته، إذًا: لا اعتراض .. لا ينتقض هذا بكون النداء طلب إقبالٍ، يا زيد لا تحضر .. يا زيد لا تأت، هذا لا إشكال فيه لأنه مخالف، أمَّا: يا زيد لا تُقبل، هذا فيه إشكال، لكن نقول: المرادُ به: أن (يا) لطلب الإقبال لسماع النهي، والنهي عن الإقبال بعد التوجه، قال: يا زيد، فنظر إليه: لا تُقبل .. لا تحضر.
واعتُرِضَ نيابةُ حرف النداء عن أدعو، بأن أدعو خبر والنداء إنشاء، أدعو زيدًا خبر، ويا زيدُ هذا إنشاء، فكيف أُقيمَ (يا) مُقامَ (أدعو) ؟ نقول: نعم، الأصل فيه أنه للإخبار لكن نُقِلَ، لماذا حُذِفَ أدعو وأُنيب (يا) مُنابه؟ نقول: لقصد الانتقال من الإخبار إلى الإنشاء فلا تعارض حينئذٍ. وأُجيب بأن (أدعو) نُقِلَ إلى الإنشاء، ثُم إنما يُنَادى المُمَيِّز، هذا يذكره بعضهم وفيه نظر .. نأت.
إنما يُنَادى المُمَيِّز الذي يَعْقِل، يعني: من يَعْقِل هو الذي يُنَادى، وأمَّا من لا يعقل فلا يُنَادى، حينئذٍ: (( يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ) ) [سبأ:10] قالوا: هذا ليس بنداء؛ لأنه لا يعقل. وإنما صَحَّ توجيهُ النداء تَنْزيلًا له مُنَزَّلة العاقل: (( يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ) ) [هود:44] هذا ليس بنداء؛ لأنه لا يُنَادى إلا المُمَيِّز، والصواب التفصيل: أنه إن كان من الله تعالى فهو نداءٌ حقيقي، ولا مانع أن يُخاطِب الرب جل وعلا الجبال، أو الأرض، أو السماوات أيًا كان من الجامدات فتسمع وتلبي الطلب، وقد تتكلم وقد تتحدث .. لا مانع من هذا، وإنما يمتنع في تصورنا نحن.