(مُسْتَغَاثًَا) هذا حال من فاعل جَا، (مَا جَا مُسْتَغَاثًَا) والذي (ما) هنا معطوف على قوله: (مَنْدُوبٍ) ، و (جَا) هذه صلة الموصول، والفاعل ضمير مستتر يعودُ على غير، (مُسْتَغَاثًَا) هذا حالٌ من فاعل (جَا) ، (قَدْ يُعَرَّى) الجملة في محل رفع خبر المبتدأ (غَيرُ) ، (قَدْ يُعَرَّى) يعني: قد يُجَرَّدُ من حروف النداء لفظًا، (فاعْلَمَا) الفاء هذه عاطفة، (اعْلمَا .. اعْلمن) الألف هذه هي نون التوكيد الخفيفة مُنْقَلبة ألفًا، فاعْلمن .. فاعْلمَا تَمَّمَ به البيت.
وإن لزم عليه حذف النائب والمنوب عنه، لأنه إذا قيل: (( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) ) [يوسف:29] يوسف: حينئذٍ نحن أنبنا (يا) مناب أدعو، فحُذِفَ المُناب عنه: أدعو، وأُقيمَ (يا) مُنابه، حذفنا النائب كذلك، إذًا: لزِمَ على القول بتجويزِ حذف حرف النداء أن يُحذفَ النائب وما أُنيبَ عنه ولا بأس، لماذا؟ لأن القرينة واضحة بينة على أن المراد نِداء (( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) ) [يوسف:29] (( رَبَّنَا آتِنَا ) ) [البقرة:200] نقول: ربنا حُذِفت (يا) كيف يُحذَف وهي عوض؟ نقول: نعم، يُحْذَف لقوة الدلالة على أن المراد هنا: النداء.
إذًا: يمتنع حذف حرف النداء مع هذه الثلاثة التي ذُكِرَت وهي: المندوب، والضمير، والمستغاث، المستغاث سيأتينا باب مستقل .. ثلاثة أبيات في محله إن شاء الله تعالى.
وقوله: (مُضْمَرٍ) ظاهره أنه يجوزُ نداء كلُ مُضْمَر سواءٌ كان مُتَكَلم: يا أنا، أو يا أنت، أو يا هو مطلقًا، ظاهره: أنه يجوز نِداءُ كل ضمير، سواءٌ كان لمتكلمٍ: يا أنا، أو يا أنت، أو يا هو، والصحيح منعه مطلقًا، والخلاف في ضمير المخاطب فقط، أمَّا ضمير المُتَكلِّم والغائب فندائهما ممنوعٌ اتفاقًا: يا هو .. يا أنت .. ، يا هو: هذا ضمير غائب .. يا أنت: مخاطب .. يا أنا: هذا مُتَكَلم، الخلاف واقع في ضمير المُخاطَب فحسب: يا أنت، هل هو جائز أم لا؟ أمَّا: يا هو، نقول: هذا ممتنع اتفاقًا، ويا أنا: هذا ممتنعٌ اتفاقًا.
إذًا قوله: (وَمُضْمَرٍ) نُنَكِّت عليه بأن ظَاهره: أنه يجوز مطلقًا، إلا إذا صَحَّ أن الناظم يرى الجواز مُطلقًا، والصحيح: منعه مُطلقًا.
وثالثها التفصيل: وهو جوازه في الشعر خَاصَّةً، والخلاف في ضمير المُخاطَب فقط، أمَّا ضمير المُتَكلِّم والغائب فندائهما ممنوعٌ اتفاقًا.
وشذَ إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ ..
(إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ) يا إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ، (يا) حرفُ نِداء و (إِيَّاكَ) هذا ضمير مُنْفَصل وهو ضمير نصبٍ، قَدْ كَفَيْتُكَ، هذا شاذٌ يُحفظُ ولا يُقاس عليه.
وَغَيرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا ... جَا مُسْتَغَاثًَا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
أمَّا امتناع حذف (يا) مع المندوب والمستغاث قيل: لأن المستغاث والمندوب يُطلبُ فيهما مَدُّ الصوت، والحذف ينافيه، ولتفويت الدلالة على النداء مع الضمير، إذ هو دالٌ بالوضع على الخطاب، إذًا: يمتنع حذف حرف النداء مع المندوب والمستغاث؛ لأن المستغاث والمندوب يُطلبُ فيهما مَدُّ الصوت، وهذا لا يمكن أن يوجد مع الحذف.