وأمَّا على قول جماهير النحاة الذي حكا فيه الإجماع ابن مالك هنا: أنه يجب فيه النصب، لأنه في الأصل: مفعولٌ به، فبقي على أصله، ولم يُوجد فيه ما يقتضي بناءه، فأما المفرد فوجد فيه ما يقتضي البناء، وهو مشابهته للكاف الاسمية، حينئذٍ نقول: لمَّا لم توجد هذه العِلَّة في المضاف ولا الشبيه بالمضاف فبقي على أصله، والأصل الإعراب .. الأصل في الأسماء الإعراب.
ثُم أصله مفعولًا به وهو منصوب، حينئذٍ لا نَعْدِل عن الإعراب إلى البناء إلا بمقتضي، ثُم إذا أثبتنا إعرابه فيبقى على أصله وهو النصب، ولا نعدل عنه إلى الضَمِّ إلا بِمُوجبٍ وليس ثَمَّ مُوجِب لأن هنا لا يوجد ما يقتضي رفعه، وإنما وُجِدَ ما يقتضي نصبه وهو: أدعو، وأنادي، أدعو زيدًا .. أدعو صاحب زيدٍ.
حينئذٍ نقول: الأصل أنه مُعْرَب وإعرابه يكون بالنصب، حينئذٍ ما وجه العُدُول إلى الضَّمّ؟ نقول: لا وجه له، ولذلك لم يعتبره ابن مالك هنا وقال: (عَادِمًا خِلاَفًَا) .
(وَشِبْهَهُ) يعني: شبه المضاف، وهو ما اتصل به شيءٌ من تمام معناه، نحو: يا طالعًا جبلًا .. يا حسَنًا وجهه .. يا ثلاثةً وثلاثين .. يا مارًَّا بزيدٍ، كل هذه أمثلة لما اتصل به شيءٌ من معناه.
(وَالمُضَافَا) استثنى بعضهم المضاف لضمير الخطاب، هل يُنَادى أصلًا .. قبل أن نقول: منصوب أو لا .. هل يُنادى؟ قيل: لا، لا يُنَادى، ولذلك (وَالمُضَافَا) نقول: لغير ضمير الخطاب، أما المضاف إليه فلا يُنَادى .. فلا يقال: يا غُلامُك، أو يا غُلامَك لا يقال، لماذا؟ لأن النداء يقتضي أنه مُخاطب، وإضافته إلى الكاف يقتضي أنه غير مُخاطب حينئذٍ حصل تنافٍ بينهما.
(وَالمُضَافَا) لغير ضمير الخطاب، أما المضاف إليه فلا يُنَادى، فلا يقال: يا غُلامكَ؛ لاستلزام اجتماع النقيضين، وما هما النقيضان؟ لاقتضاء النِداء خطاب الغلام، وإضافته إلى الكاف يقتضي أنه غير مخاطب، ما أضفته إلى الكاف غُلامكَ إلا لكونه غير مُخاطب، ثُم تُناديه باعتبار أنه مُخاطب، كيف هذا؟ هذا حصل فيه تناقض.
لاقتضاء النداء خطاب الغُلام، وإضافته إلى ضمير خطاب عدم خطابه، لوجود تغاير المتضايفين وامتناع اجتماع خطابين لشخصين في جملةٍ واحدة، حينئذٍ لو سوَّغنا: يا غُلامَكَ نقول: غُلامُكَ أصلًا قبل النداء يقتضي أنه غير مُخاطَب، لماذا؟ لأنك أضفته إلى كاف الخطاب، فالغُلام غير مُخاطب، أضفته لكاف الخطاب من أجل خطابه، ثُمَّ النداء يقتضي أنه مُخاطب، فكيف يُحْكَم على الغلام بكونه مخاطب غير مخاطب في تركيبٍ واحد؟ هذا فيه تناقض.
إذًا: (وَالمُضَافَا) يستثنى منه المضاف لغير ضمير الخطاب، فإنه لا يُنَادى أصلًا، يعني: لا يَرِد على الناظم هذا، وإنما نقول: كونه مضافًا لضمير الخطاب ليس منادىً أصلًا، فضلًا عن أن يدخل في قوله: انصب المُضَافَا .. فليس بداخلٍ أصلًا، لم يتسلط عليه العامل وهو قوله: (انْصِبْ) .
إذًا: (وَشِبْهَهُ) المُرادُ به: الشبيه بالمضاف، وهو ما اتصل به شيءٌ من تمام معناه.
(انْصِبْ) فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فهو واجب النصب في هذه الأحوال الثلاثة: النكرة المقصودة، والمضاف، والشبيه بالمضاف.