وإنما اختيرت اللام لمناسبة معناها للاستغاثة لأن لامها للتخصيص أُدخلت على المستغاث دلالةً، على أنه مخصوصٌ من بين أمثاله بالنداء، وكذا المُتَعَجب منه كما سيأتي .. مخصوصٌ من بين أمثاله باستحضار غرابته.
وقوله: (خُفِضَا بِاللاَّمِ) دَلَّ على أن المستغاث معربٌ مطلقًا، لكنه يكون بالخفض. واختلف في هذه اللام الداخلة على المستغاث، فقيل: هي بقية (آل) وهو مذهب الكوفيين، والأصل: يا آل زيدٍ، فاللام مقتطعة من (آل) فأصل العبارة: يا آل زيدٍ، فحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ثُمَّ حذفت الألف تخلصًا من التقاء الساكنين وبقيت اللام، لكن هذا ضعيف.
فقيل: هي بقية (آل) فالأصل: يا آل زيدٍ، فزيدٌ مخفوضٌ بالإضافة، ونُسِبَ للكوفيين، وذهب الجمهور إلى أنها لام الجر، وهو الصحيح، لأن تلك (آل) اللام ليست حرف معنى، وإنما هي حرف مبنى، فكيف خفَضت .. فإذا حذف المضاف حينئذٍ كيف عَمِل؟ هذا يحتاج .. والجمهور على أنها لام الجر، ثم اختلفوا: هل هي زائدة لا تتعلق بشيء، أم أنها حقيقية أصلية تحتاج إلى مُتَعَلَّق؟ إذا قيل: يا لَزيدٍ، اللام حرف جر، مثل: مررت بزيدٍ، حينئذٍ إذا قيل: بأنها حرف جر، فالحرف قد يكون زائدًا، وقد يكون أصليًا، إذا قيل: بأنها زائدة لا نحتاج إلى مُتَعَلَّقٍ تَتَعلَّق به، نقول: اللام حرف جر زائد، وزيد: مجرور وانتهينا، لا نحتاج إلى أن نقول: الجار والمجرور مُتعَلِّق بكذا.
وإذا قلنا بأنها أصلية .. وهو الصحيح، حينئذٍ لا بُدَّ من مُتَعَلَّقٍ تَتَعلَّق به، فما هو هذا المُتَعَلَّق؟ فاختلفوا -القائلون بأنها لام الجر-، فقيل: زائدة لا تتعلق بشيء، وهذا ضعيف لأن الزيادة خلاف الأصل، لا يحكم بزيادة شيءٍ إلا بِثَبَت، وقيل: ليست بزائدة، وفيما تتعلق به قولان، إذا قيل أنها أصلية:
أحدهما: بالفعل المحذوف، لأننا قلنا: (إِذَا اسْتُغِيثَ اسْمٌ مُنَادَى) إذًا: المنادى موجود .. النداء موجود، ولذلك: يا لزيدٍ، يا: هذه نائبةٌ مناب أدع، حينئذٍ له أثرٌ. بالفعل المحذوف، وهو مذهب سيبويه.
والثاني: بحرف النداء، قلنا: هذا ضعيف، لأن حرف النداء لا يعمل، والفعل ملاحظ، بدليل بقاء أثره في المحل.
وعلى مذهب سيبويه: أنه الفعل الذي نابت عنه ياء، لكن بتضمينه معنى فعلٍ يَتَعدَّى بالحرف، يعني: أدعو زيدًا، أدعو لزيدٍ ما يأتي هذا، لا بُدَّ أن نُضَمِّن أدع معنى فعلٍ يَتَعدَّى باللام، ألتجئ لزيدٍ، إذًا: أدعو زيدًا نُضَمِّنه معنى ألتجئ فيَتَعدَّى باللام فلا إشكال فيه، وعلى مذهب سيبويه: لا بُدَّ أن نُضَمِّنه معنى فعلٍ يَتَعدَّى بالحرف كألتجئ ونحوه، في نحو: يا لزيدٍ، وأتَعَجَّب في نحو: يا للماء .. يا للعلماء .. يا للمصيبة، هذا من باب التعجب، حينئذٍ: أدعو .. ألتجئ لزيدٍ، لأن معنى الاستغاثة كذلك، يا للماء .. تعجب من كثرة الماء، حينئذٍ يا للماء، أدعو بمعنى: أتعجب .. أتعجب للماء، لأنه يَتَعدَّى باللام.
إذًا: (خُفِضَا بِاللاَّمِ) نقول: هذا غالب، ثُم الصحيح أن هذه اللام لام الجر، وليست بقية: (آل) ، ثُم الصحيح أنها أصلية، ثُم الصحيح أنها مُتعَلِّقة بالفعل لا بالياء، كل المسائل داخلة في قوله: