وإن كان بغير إيَّاك وأخواته وهو المراد بقوله: وما سواه فلا يجب إضمار الناصب إلا مع العطف (ماز رَأْسَكَ وَالسَّيْفَ) يعني: يا مازن قي رأسك واحذر السِّيف، أو التكرار: (الضَّيغَمَ الضَّيغَمَ) أي: احذر الضَّيغَمَ، فإن لم يكن عطفٌ ولا تكرار جاز إضمار الناصب وإظهاره -الأسد .. احذَّر الأسد - فإن شئت أظهرت وإن شئت أضمرت، (لَنْ يَلزَمَا إِلاَّ مَعَ) فهو غير لازم.
(إيَّاكَ الأسدَ) هذه حيَّرت النحاة، جوَّزه سيبويه وجعل العامل في الأسد غير العامل في (إيَّاك) .. فَصَل بينهما، (إيَّاك الأسد) كلاهما منصوبان، هل هما منصوبان بعامل واحد، أو كلٌ منهما منصوبٌ بعامل؟ مذهب سيبويه: أن كلًا منهما منصوبٌ بعامل يَختصُّ به، (إيَّاك) منصوبٌ بعامل و (الأسد) منصوبٌ بعامل. (إيَّاك الأسد) جَوَّزه سيبويه، وجَعل العامل في الأسد غير العامل في (إيَّاك) تقديره (باعد نفسك واتقي الأسد) .
إذًا: (نفسك) هذا مفعولٌ لفعلٍ محذوف تقديره (بَاعِد) و (الأسد) هذا مفعولٌ به لفعلٍ محذوف تقديره (اتق) حينئذٍ يكون (إيَّاكَ الأسد) صار جملتين، فعُطِفت جملة على جملة، وجوَّزه ابن الناظم (إيَّاكَ الأسد) أيضًا جائز لكن على تفصيلٍ آخر.
جوَّزه ابن الناظم على تقديرٍ آخر وهو: أن يُقدَّر العامل فعلًا يتعدى إلى اثنين بنفسه، حينئذٍ يكون الكلام جملة واحدة، تقديره (أُحذِّرك الأسد) فالكلام حينئذٍ جملة واحدة، فإذا قيل (إيَّاك من الأسد) فهل يَجوز حذف (من) ونصب الاسم المجرور بعدها؟ (إيَّاكَ من الأسد) هل يصلح على هذا التركيب الذي جوَّزه سيبويه (إيَّاكَ الأسد) أن يكون أصله: (إيَّاكَ من الأسد) ثُمَّ حُذِفت (من) وانتصب (الأسد) ؟ لا يجوز، لأنه من باب حذف نزع الخافض، ونصب ما بعده على نزع الخافض، وهذا إنما يكون سماعيًا ولا قياسيًا، حينئذٍ لا يُحمَل هذا التركيب على شاذٍ.
فتقول (إيَّاك الأسد) ، وجوابه: إن قُدِّر العامل في (إيَّاك) فعلًا يَتعدى إلى مفعولٍ واحد، ولم تُقدِّر للأسد عاملًا آخر كما قَدَّره سيبويه لم يجب النصب، لأن نصب الأسد حينئذٍ يكون على نزع الخافض وهذا شاذٌ، وإن قَدَّرت فعلًا يَتعدى إلى اثنين بنفسه حينئذٍ جاز.
وَشَذَّ إِيَّايَ وَإِيَّاهُ أَشَذّ ... وَعَنْ سَبِيلِ القَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ
(إيَّاكَ) قلنا: للمخَاطَب .. تنبيه المخاطب، (شَذَّ إِيَّايَ) المتَكلِّم والغائب شاذان، وحَكَم بعضهم على أنه قليل: (وَشَذَّ إِيَّايَ) ولذلك في الاختصاص ذكرناه، (إِيَّاكَ وَالشَّرَّ) ذاك في الاختصاص .. حصل تداخل.
(إيَّاكَ وَالشَّرَّ) هنا الخطاب .. التحذير يكون لمُخاطَب، هل يُحذِّر نفسه، أو يُحذِّر غائبًا؟ قلنا: الأصل فيه: أنه شآذٌ، والعِلَّة فيه السماع، إنما سُمِع (إيَّاكَ وأخواته) : (إيَّاكَ .. إيَّاكِ .. إيَّاكُم .. إيَّاكُنَّ) ، وأمَّا (إِيَّايَ والأسد) أي: يُحذِّر نفسه الأسد، (إِيَّاه والأسد) كذلك لا يصلح.