لكن اعْتُرِض هنا بأنه قد يُكْتَفى به لكونه نداءً (أَلاَ أَيُّهَا اللَّيلُ الطَّوِيلُ .. أَلاَ يَا أَيُّهَا اللَّيلُ) اكتفى، لكن قيل بأن هذا لم يُشْبِه الفعل، لأنه لم يقف عليه وقف انتهاء من الكلام، فلا بُدَّ من شيءٍ يُتَمِّمه، على كلٍّ المقام يحتاج إلى تحرير.
(مِنْ مُشْبِهِ اسْمِ الفِعْلِ يُجْعَلُ صَوتًا) مَا خُوطِبَ به مَا لاَ يَعْقِلُ من حيوانٍ ونحوه (صَوتًا يُجْعَلُ) يعني: يُجْعَلُ اسم صوتٍ على حذف مضاف، (يُجْعَلُ) هو (صَوتًا) ، (صَوتًا) هذا مفعولٌ ثاني، وأين الأول؟ الضمير (يُجْعَلُ) هو .. نائب الفاعل.
كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ ..
إذًا قوله: (وَمَا) اسم موصول عام شَمِل ما كان للزَّجْر كما ذكرناه، كـ (عَدَسْ) ، وما كان للدُّعاء كـ (أَو) فإن كليهما يُخَاطب به ما لا يعقل.
كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً كَقَبْ ..
(كَذَا) أي: مِثلُ ذا السابق في كونه اسم صوتٍ (الَّذِي) الذي كذا، (كَذَا) خبر و (الَّذِي) مبتدأ مؤخَّر، (أَجْدَى) يعني: أفاد، (حِكَايَةً) أفاد حكايةً، شَمِل قوله (حِكَايَةً) ما كان حكايةً لصوت حيوان كـ (غاق) ولصوت غير حيوان (كَقَبْ) وقوع السَّيف.
(كَذَا الَّذِي أَجْدَى حِكَايَةً) حِكَايَةً لأي شيء؟ قلنا: عام، إمَّا لصوت حيوان وإمَّا لصوت جمادٍ إذا وقع، (كَقَبْ) لوقوع السَّيف، يعني: تَحكي الصوت الذي تسمعه، لكن ثَمَّ ألفاظ محفوظة عند العرب لأشياء محدودة، إذا وقع السَّيف لا تأتي بلفظ من عندك تقول (قَبْ) ماذا قال السِّيف إذا وقع؟ (قَبْ) ، (قَبْ) هذا اسم صوت مبنيٌّ على السكون لا محل له من الإعراب (كَقَبْ) .
وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ فَهْوَ قَدْ وَجَب ..
(وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ) يعني: بناء النَّوعين، قصره للضرورة، والمقصود بالظاهر (النَّوعَينِ) ما هو؟ اسم الفعل واسم الصوت، هذا الظاهر، ويَحتمل وجهًا آخرَ وليس ببعيد: أنه قد بيَّن حُكم اسم الأفعال في الأول .. الأول هناك: وَكَنِيَابَةٍ عَنِ الْفِعْلِ بِلاَ تَأَثُّرٍ، إذًا: عرفنا لا يكون تكرار، فنجعل (بِنَا النَّوعَينِ) : ما خُوطِب به ما لا يعقل والذي أفاد حكايةً، لأننا قلنا أسماء الأصوات نوعان: ما خُوطِب به ما لا يعقل، والثاني: ما وضِع لحكاية صوت حيوان.
إذًا: (وَالزَمْ بِنَا النَّوعَينِ) أي النوعين؟ المذكورين في هذين البيتين، لأن أسماء الأفعال انتهى البحث فيها:
وَاحْكُمْ بِتَنْكِيرِ الَّذِي يُنَوَّنُ ... مِنْهَا وَتَعْرِيفُ سِوَاهُ بَيِّنُ
كان في أسماء الأفعال، انتقل إلى النوع الثاني: أسماء الأصوات.
إذًا: (الزَمْ بِنَا النَّوْعَينِ) مُتعلِّق بنوعي أسماء الأصوات، وأمَّا أسماء الأفعال هذا انتهى منه، لكن الأشْمُوني على ما ذكَرْنَاَه أولًا، وكذلك ابن عقيل هنا.
(فَهْوَ قَدْ وَجَبْ) الفاء للتَّعليل، (فَهْوَ قَدْ وَجَب) هذا تتميم، (هْوَ) مبتدأ و (قَدْ وَجَب) خبره، تتميم .. لماذا نقول تتميم؟ لأن الوجوب معلوم من قوله (الزَمْ) واجب (الزَمْ بِنَا النَّوْعَينِ) إذًا: هما مبنيَّان.
إذًا: (قَدْ وَجَبْ) هذا يمكن الاستغناء عنه، فإذا أمكن الاستغناء عنه حينئذٍ نقول: هذا يُعْتَبر حَشْوًا.