عُورِض التَّعليل: بأن الفرع قد يختصُّ بأحكام ليست في الأصل وهذا صحيح، كما في (أنَّ) المفتوحة فإنَّها فرعٌ المكسورة، ولها أحكامٌ تَختصُّ بها وهذا واضح بيِّن، إذًا: تعليل البصريين بأن كلًا منهما أصل لوجود المخالفة في بعض الأحكام ليس بِجيِّد، لماذا؟ لأنَّه قد يكون ثَمَّ أصلٌ وفرع، والفرع ينفرد ببعض الأحكام لا ينفرد بها الأصل، إذًا: هذا التَّعليل عليل.
وذهب الكوفيُّون: إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة، فالثقيلة هي الأصل ثُمَّ حُذِفت منها إحدى النونين فصارت (الخفيفة) وهذا هو الظاهر: أن الخفيفة أصلٌ، كما نقول: (إِنَّ وإِنْ) (أَنَّ) بالتثقيل و (أَنْ) بالتخفيف، إذًا: قد يُحْذَف أحد الحرفين ويبقى الحرف على أصله، إذًا (أَنْ) بالتخفيف فرع (أَنَّ) ، و (إِنْ) بالتخفيف .. بإسكان النون فرع (إِنَّ) هذا لا إشكال فيه.
وذهب الكوفيُّون إلى أن الخفيفة فرع الثقيلة لاختصارها منها، يعني: هي مُختصرة منها، لأنها جزء .. الخفيفة داخلة في الثقيلة، ولأن التأكيد بالثقيلة أبلغ وهذا واضح بيِّن: (( لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا ) ) [يوسف:32] أيُّهما أبلغ في التأكيد؟ لا شَكَّ أن الأول أبلغ، فدل على أنَّه أصل، لأنَّه عبارة عن حرفين، والثاني عبارة عن حرفٍ واحد، ولا شَكَّ أن العرب لا تزيد حرفًا إلا لفائدة، إذًا: هذان قولان.
وقيل بالعكس، يعني: الخفيفة هي الأصل، والثقيلة هي الفرع، لماذا؟ قالوا: لأن الخفيفة بسيطة والثقيلة مُرَكَّبة، وأيُّهما أصل؟ البسيط أصلٌ للمُرَكَّب، هذا تعليل لكنَّه فيه نظر.
وقيل بالعكس: فالخفيفة بسيطة والثقيلة مُرَكَّبة، فالخفيفة أحق بالأصالة والثقيلة أحق بالفرعية.
إذًا: هذه ثلاثة أقوال للنحاة في أيِّهما أصلٌ للآخر، والصحيح أن يُقال بأن الثقيلة أصلٌ، والخفيفة فرعٌ.
قال رحمه الله تعالى:
لِلْفِعْلِ تَوْكِيدٌ بِنُونَيْنِ هُمَا ... كَنُونَيِ اذْهَبَنَّ وَاقْصِدَنْهُمَا
هذا باستقراء كلام العرب، لا يوجد نون يُؤكَّد بها إلا الثقيلة والخفيفة، هذا مُتفقٌ عليه بين النحاة، وسَبَق في أول الكتاب: أن النون مُطلقًا الخفيفة والثقيلة من علامات الفعل، إذًا: لا تدخل على الاسم ولا على الحرف، وأمَّا: (أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا .. ) قلنا: هذا شاذُّ يُحفظ ولا يُقاس عليه، لأنَّه دخل على اسمٍ وهو اسم فاعل، والذي سَهَّله: أنَّه بِمعنى الفعل، يعني: الذي سَهَّل مثل هذه الضرورات وهذه الشُّذوذات: أن ما دخلت عليه النون وهو اسم الفاعل بمعنى الفعل، وكأنَّه لُوحِظ فيه معنى الفعل فدخلت عليه النون.
(لِلفِعْلِ تَوكِيدٌ) توكيدٌ للفعل لا لغيره، صحيح هذا؟ الآن قَررنا هذه المسألة، قلنا: لا تدخل لا على الحرف ولا على الاسم، إذًا: اختصَّت بالفعل، إذًا: للفعل لا لغيره، إذًا: أفاد بتقديم الجار هنا الخبر وحقه التأخير .. أفاد الحَصْر والقَصْر (تَوكِيدٌ لِلفِعْلِ) للفعل لا لغيره تَوكِيدٌ بنونين.