(وَبِلَنِ انْصِبْهُ) .. (لَنْ) جار ومجرور مُتَعلِّق بقوله: (انْصِبْهُ) ، (وَكَيْ) هذا معطوفٌ على (لَنْ) ، والمعطوف على المجرور مجرور، (لَنْ) حرف نفيٍ يَخْتصُّ بالمضارع، ويُخلِّصُه للاستقبال باتفاق .. مَحُل وفاق بين النُّحَاة: أنَّ (لَنْ) للنَّصْب، يَختصُّ بالمضارع، يعني: لا يدخل على الماضي، ولا على الأمر، لذلك هو من علامات الفعل المضارع، كل النَّواصِب في الأصل التي تنصب مباشرةً فهي من علامات الفعل المضارع، وكل الجوازم التي تجزم الفعل المضارع فهي من علامات الفعل المضارع، ولذلك مَيَّزَه كما سبق ابن مالك:
فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَلِي لَمْ كَيَشَمّْ ..
قلنا: ليس خَاصًَّا .. حتى (لَمَّا) مثله، و (حيثما) و (كيفما) إذا قيل بِأنَّها جازمة.
إذًا: (لَنْ) حرف نَفْيٍ يَختصُّ بالمضارع ويُخلِّصُه للاستقلال باتفاق، وتنصبه كما تنصب (لا) النافية للجنس الاسمَ، نحو: (( لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ ) ) [طه:91] (لَنْ) حرف نفيٍ ونصبٍ واستقبال، و (نَبْرَحَ) فعل مضارع ناقص منصوب بـ: (لَنْ) ، ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، (لَنْ) حرف نَفْيٍ لأنَّها تنفي وقوع الحدث في المستقبل، فإذا قلت: لن أقوم، حِينئذٍ نفيت القيام في الزمن المستقبل.
و (لَنْ) هنا من المُخلِِّصَات للفعل المضارع من الحال إلى الاستقبال مثل: (أَنْ) ، بل الضابط في النَّواصِب: أنَّها لا تنصب إلا إذا أُرِيدَ بِها الاستقبال، ولذلك يُشترط كما سيأتي في (حَتَّى) أنَّها لا تنصب إلا المستقبل، فإذا أُرِيدَ به الحال حِينئذٍ حكمنا عليها بأنَّ ما بعدها يكون مرفوعًا، يعني: لا تنصبه.
إذًا: النَّواصِب كلها لا تعمل في الفعل المضارع النَّصب إلا إذا أُرِيدَ بالفعل المضارع المستقبل، وأمَّا إذا أُرِيدَ به الحال أو الماضي فلا تنصبه، حِينئذٍ نقول: (لَنْ) حرف نفي واستقبال لأنَّها تنفي الحدث .. حدث مدخولها الفعل المضارع تنفيه في المستقبل: لن أقوم، ينتفي وقوع القيام مني في المستقبل، لن أضرب زيدًا، حِينئذٍ ينتفي وقوع الضَّرب مِنِّي في الزمن المستقبل.
وهذا كما ذكرنا من المُخلِّصَات لأنَّ الصَّحِيح أنَّ الفعل المضارع يدل على الحال حقيقةً، وعلى المستقبل مَجازًا، يعني: يحتاج في الدَّلالَة على المستقبل إلى قرينة لفظية، هذه القرينة إمَّا (سَوفَ) ، وإمَّا السين، وإمَّا (لَنْ) ، وإمَّا (أَنْ) ، من جميع الحروف التي تدخل على الفعل المضارع فتُخلِّصُه إلى الاستقبال، حِينئذٍ يحتاج إلى قرينة.
ولذلك اتَّفَقَّ حتى الجمهورُ القائلون بأنَّ الفعل المضارع مُحتمِل للنَّوعين أنَّه يُحمَل على الحال، إذا قيل: زيدٌ يصلي، يعني: الآن يباشر الصلاة، وزيدٌ سيصلي، قطعًا أنَّه الآن لا يصلي، فإذا لم يقترن به أداة تَدلُّ على الاستقبال حُمِلَ على الحال، ولا يُحمَل على الاستقبال إلا بقرينة، وهذا هو حقيقة المَجاز: أنَّه لا يُحمَل على المعنى الآخر إلا بقرينة، حِينئذٍ نقول: صرْفه للحال هو الأصل، وهذا هو الحقيقة، فما احتاج إلى قرينة خلافُ الأصل، وليس عندنا خلاف الحقيقة إلا المجاز، فتَعيَّن أن يُقَال بأنَّه مَجاز إذا دخلت عليه السين، أو (سوف) .
إذًا: حرفُ نفيٍ يَختصُّ بالمضارع ويُخلِّصُه للاستقبال باتفاق، وتنصبه كما تنصب (لا) الاسم، نحو: (( لَنْ نَبْرَحَ ) ) [طه:91] فتنفي ما أُثبِتَ بِحرف التَّنْفِيس. تنفي هكذا، ولذلك قاله ابن هشام في (الأوضح) وغيره: لنفي سيفعلُ، وهذا الذي أردناه سابقًا، إذا قلت: لَنْ أقوم، يعني: نفي القيام في الزَّمَن المستقبل، (سيفعل) ما المراد بها؟ وقوع القيام في الزَّمَن المستقبل.
إذًا: السين تدل على وقوع الحدث في الزمن المستقبل، إذًا: تُخلِّصُه للاستقبال على جهة الإثبات أو النَّفْي؟ على جهة الإثبات، (لَنْ) لنَفْي هذا الإثبات، لنفي (سيفعل) .. هكذا يُعبِّر ابن هشام: لنفي (سيفعلُ) .. و (لَنْ) لنفي (سيفعل) ، إذًا: (سيفعل) تَدلُّ على إثبات مدخولها الحَدَثْ في الزَّمَن المستقبل، إذا أردنا هذا الحدث الذي يكون في المستقبل أن ننفيه جئنا بـ: (لَنْ) ، وذلك هي لنفي المستقبل، فتنفي ما أُثبِتَ بِحرف التَّنفِيس، ولا تُفِيد تأبيد النفي ولا تأكيده خلافًا للزَّمَخْشَري.