وليس أصل (لَنْ) .. (لَنْ) هل هي مُرَكَّبَة أم بسيطة؟ قيل: (لَنْ) أصلها: (لا) قُلبت الألف نونًا.
وليس أصلها (لا) فأُبْدِلَت الألف نونًا خِلافًا للفَرَّاء، ولا (لا أن) فحُذفت الهمزة تَخفيفًا والألف للساكنين خِلافًا للخليل. وهذه دائمًا يَسلُكُونَها في باب الحروف، والأصل عدمه، يعني: (لَنْ) أصلها (لا) ، فقُلبت الألف نونًا.
ما الذي أدراكم؟ يحتاج إلى إفصاح، لو جاء في لسان عَربِيِّ مُفْصِحًا بأصلها قلنا بهذا الأصل، وأمَّا إذا لم يرد فالأصل المنع: ألاَّ نقول بأنَّها مُرَكَّبَة، وألاَّ نقول بأنَّ أصلها كذا وكذا، بل نبقيها على ظاهرها، فنقول: اللام والنون أصليان، وهكذا نَطَقَ العَربِيُّ بِها: (لَنْ) ، وأمَّا القول: بأنَّ أصلها (لا) ثُمَّ قلبت الألف نونًا، أو أصلها (لا أن) فحُذِفَت الهمزة، ثُمَّ التقى ساكنان الألف والألف، فحذفت الألف فقيل: (لَنْ) ، نقول: هذا يحتاج إلى ثَبَت.
إذْ المعهود إبدال النون ألفًا كـ: (نَسْفَعَنْ) .. (نَسْفَعا) ، المعهودُ قلب النون ألفًا .. نون التوكيد الخفيفة نقلبها ألفًا، والتنوين في مقام النَّصْب: زيدَا نقلبها ألفًا، وأمَّا الألف تُقلب نون، هذا ليس بِمعهود، والأصح أن يُجاب: بأنَّ هذا يحتاج إلى نقلٍ، فإن لم يكن كذلك حِينئذٍ بقينا على الأصل.
ولأنَّ دعوى التركيب إنَّمَا تَصِح إذا كانا الحرفان ظاهرين حالة التَّركِيب كـ: (لولا) .
ومن أحكام (لَنْ) : أنَّ الجمهور على جواز تقديم معمولِ معمولها عليها: لن أضرب زيدًا، أين معمول (لَنْ) ؟ (أضربَ) ، أين معمول معمولها؟ (زيدًا) ، هل يجوز تقديم (زيد) ؟ نعم. (زيدًا لن أضْربَ) .. (زيدًا) هذا منصوب بـ: (أضرب) ، و (أضرب) هذا معمول (لَنْ) ، يجوز أو لا يجوز؟ نعم يَجوز، لأنَّها عاملٌ أصلي بنفسه، ليس مَحمولٌ على غيره حتى نقول: لا يُتَصرَّف في معموله .. لا.
نعم معموله لا يُمكن، يعني: (أضْرِب) هل يَتَقدَّم على (لَنْ) ؟ ما يَتَقدَّم هذا .. واضح بَيِّن، لأنَّ (لَنْ) لا يُفْصَل بينها وبين معمولها إلا لِمَا سيأتي ذكره، وأمَّا معمولُ معمولها فإذا تَقَدَّم لا إشكال فيه.
جواز تقديم معمول معمولها عليها: زيدًا لن أضربَ، وبه اسْتَدلَّ سيبويه على بساطتها -على أنَّها بسيطة- ومنع ذلك بعضهم، واستثنى أبو حَيَّان التمييز، فلا يجوز: عَرَقًا لن يَتَصَبَّبَ زيدٌ، (عَرَقًا) هذا تَمييز .. لأيِّ شيء؟ لمعمول (لَنْ) ، يعني العامل فيه: معمول (لَنْ) ، لن يَتَصبَّبَ زيدٌ عَرَقًا، (عَرَقًا) هذا تَمييز، والعامل فيه (يَتَصبَّب) وهو معمول (لَنْ) ، عند أبي حَيَّان لا يجوز تقديمه.
وهذا أيضًا مُنتَفٍ عند الجمهور، وإنَّما يَجوز على مذهب ابن مالك، كما سبق لأنَّه يُجوِّز تقديم التَّميِيِز على عامله المُتصرِّف بِقلَّة، فعدم التقديم هنا لا لـ: (لَنْ) ، وإنَّما لِمَا سبق: أنَّ التَّميِيِز لا يَتَقدَّم عليه عامله، فهو لشيءٍ آخر.
إذًا: ما امتنع تقديمه على عامله دون (لَنْ) فهو مُمتنعٌ مع (لَنْ) ، وما لم يكن كذلك فالأصل الجواز، وأمَّا: عَرَقًا لن يَتَصبَّبَ زيدٌ، هذا كما سبق: أنَّ العامل إذا كان مُتَصرِّفًا جاز أن يُتَصرَّف في تَمييزه فيَتَقدَّم عليه على مذهب ابن مالك، ومن منع منع، فمن جَوَّز جَوَّز هنا.
فابن مالك لا يمتنع عنده: عَرَقًا لن يَتَصبَّبَ زيدٌ، لأنَّ (يَتَصبَّبَ) هذا فعل وهو عامل في التَّمييز، وهو مُتَصرِّف، فيجوز حِينئذٍ، وعند الجمهور لا، لأنَّه يمتنع مُطلقًا، لأنَّه يُجوِّز تقديم التمييز على عامله المُتصرِّف بِقلَّةٍ.
وقد تأتي (لَنْ) للدعاء، وهذا مُختَلفُ فيه، ابن هشام ينفيه في موضع، ويثبته في موضع.
وقد تأتي (لَنْ) للدعاء، كما أتت (لاَ) كذلك وفاقًا لجماعةٍ، ومن ذلك قول الشاعر:
لَنْ تَزَالُوا كَذَالِكُمْ ثُمَّ لاَ ... زِلْتُ لَكُمْ خَالِدًا خُلُودَ الجِبالِ
(لَنْ تَزَالُوا) قالوا: (لَنْ) هنا دُعَائِية، بِمعنى أنَّها للدُّعَاء، لماذا .. ما وجهُ الاستدلال بكونها للدعاء؟ قالوا: العطف عليها: (ثُمَّ لاَ زِلْتُ لَكُمْ خَالِدًا) هذا دعاء، فعُطف الدعاء على (لَنْ) الأُولى فَدلَّ على أنَّها استُعملت في الدُّعَاء، وقلنا: ابن هشام يثبت هذا في (المغني) وينفيه في (شرح القطر) .