(لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى) إلى أن أدرك المنى، وهذا ما يقع دفعة واحدة في ساعة .. ليلة .. ليلتين لا، يَحتاج إلى عمر!
إذًا: (أَوْ) هنا بِمعنى: إلى، إذًا: مِمَّا ينقضي شيئًا فشيئًا .. مِمَّا يَتَطَاول، أي: لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ حتَّى أُدْرِكَ المُنَى، و (حتَّى) بَمعنى: إلى، فـ (أُدْرِكَ) منصوبٌ بـ (أنْ) مُضمرةً وجوبًا بعد (أوْ) .. (أوْ) التي بِمعنى: حتَّى، وهي واجبة الإضمار.
والثاني: الذي لم يكن بِمعنى: حتَّى، وإنما بِمعنى: (إلا) كقوله:
وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيْمَا
كسرت كعوبها إلى أن تستقيما، يُكسِّر يُكسِّر حتى تستقيم، أو: إلا أن تستقيما؟ إلا أن تستقيما. ومثله: لأقْتلنَّ الكافر أو يُسلم .. إلا أن يُسلم، ولا يَصِّح أن يكون مَمَّا ينقضي شيئًا فشيئًا .. يقتل .. يقتل .. يقتل حتى يُسلم؟! هذا ما يتأتَّى .. هذا بعيد.
إذًا: قد تكون بِمعنى: حتَّى .. إلى أن، وقد تكون بِمعنى: إلا، والنَّاصِب حينئذٍ نقول: هو (أنْ) مضمرةً بعد (أوْ) والإضمار حكمه الوجوب.
وذهب الكِسَائي: إلى أنَّ (أوْ) المذكورة ناصبةٌ بنفسها، وذهب الفَرَّاء: إلى أنَّ الفعل انتصب بالمخالفة، يعني: ما بعده يُخالف ما قبله، وهذا المُخالفة عاملٌ معنوي، وقلنا: هذا ضعيف فيما سبق، والصحيح: أنَّ النَّصْب بـ: (أنْ) مضمرةً بعدها لأن (أوْ) حرف عطف، فلا عمل لها هذا الأصل فيها، ولكنَّها عَطَفَت مَصدرًا مُقدَّرًا على مصدرٍ مُتوَهَّم، ومن ثَمَّ لزم إضمار (أنْ) بعدها، يعني: ما بعدها يكون في تأويل مصدر، لأن (أنْ) ومدخولها في تأويل مصدر.
ثُم تَعطِف هذا المصدر الملفوظ به .. في قوة الملفوظ على مصدرٍ مُتوهَّم .. مُتصيَّد مِمَّا قبله: لألزَمنَّك أو تقضيَني حقي، يعني: إلزامي هذا مصدر .. إلزامي إلى قضاء حقي، أو: ملازمتي إلى قضاء حقي.
لأقتلنَّ الكافر أو يُسلَّم، قتله إلى إسلامه، يعني: أقتله قتلًا إلى إسلامه.
كَذَاكَ بَعْدَ أَوْ إِذَا يَصْلُحُ فِي ... مَوْضِعِهَا حَتَّى أَوِ الاَّ أَنْ خَفِي
واحترز بقوله: (إِذَا يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا حَتَّى أَوِ الاَّ) من التي لا يصلح في موضعها أحد الحرفين، -وقلنا: هذا قَيد- فإنَّ المضارع إذا وَرَد بعدها منصوبًا جاز إظهار (أنْ) كقول الشَّاعِر:
وَلَولاَ رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةٌ ... وآلُ سُبَيْعٍ أَوْ أَسُوءَكَ عَلْقَمَا
(أَسُوءَكَ) هنا لا يصلح أن يكون (أَوْ) بمعنى: حتَّى، ولا بمعنى: أو، مع كون المضارع وقع منصوبًا بعدها.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!