(لَمْ) إذا نطقت بـ: لَمْ يَضرب، ولَمَّا يضرب، يُشترط في (لَمَّا) أن يكون مَنفِيُّها مستمرًا إلى حال التَّكلُّم .. نفي الضرب منفي إلى قولك: لَمَّا يضرب، وأمَّا (لَمْ) فلا يُشترط، قد يكون مستمرًا وقد يكون مُنقطعًا: لَمْ يَضرِب زيدٌ عمرًا .. لَمْ يقم زيدٌ، هذا يَحتمل أنَّه لَمْ يقم قبل أسبوع وقبل التَّكلُّم قد قام، إذًا: قد يكون منقطعًا وقد يكون مستمرًا.
ومَثَّل ابن هشام للمستمر بقوله (( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ) ) [الإخلاص:3] ، وللمنقطع (( لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) ) [الإنسان:1] .. (( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) ) [الإنسان:1] فكان، أمَّا: (( لَمْ يَلِدْ ) ) [الإخلاص:3] لا! فهو مستمر إلى أبد الآباد.
حِينئذٍ نقول: منفي (لَمْ) قد يكون مُنقطعًا وقد يكون مُستمرًا، يعني: قبل النُّطق، وأمَّا (لَمَّا) فلا، بل يُشترط أنْ يكون مستمرًا إلى حال النُّطق.
إذًا: جواز قطع نفي مَنفِيِّها عن الحال، هذا في (لَمْ) بِخلاف (لَمَّا) فإنَّه يجب اتصال نفي مَنفِيِّها بِحال النُّطق، ومن ثَمَّ -لهذا الخلاف- جاز: لَمْ يكن ثُم كان .. لَم يقم زيدٌ ثُم قام يَجوز، وأمَّا: لَمَّا يقم زيدٌ ثُم قام تناقض، متى قام الثاني هذا؟ ما حصل! لَم يقم زيدٌ ثُم قام .. لَمْ يقم قبل ساعتين، ثُم قام بعدها قبل أن أتكلَّم، إذًا: وقع النفي ووقع الوجود قبل زمن التَّكلُّم، وأمَّا: لَمَّا يقم، هذا إلى زمن التَّكلُّم ثُم قام، متى قام هذا؟!
أنا نفيت قيامه إلى زمن التَّكلُّم، ثُم أثْبتُّ القيام، هذا تناقض لا يصلح.
ومن ثَمَّ جاز: لَمْ يكن ثُم كان، وامتنع: لَمَّا يكن ثُم كان.
وجواز الفَصْل بينها وبين مَجزومها اضطرارًا، يعني: (لَمْ) يَجوز أن يفصل بينها وبين الفعل المضارع الذي جزمته لكن في الضرورة لا في سَعَة الكلام، كقوله:
فَذَاكَ وَلَمْ إِذَا نَحْنُ امْتَدَيْنَا ..
(لَمْ إِذَا نَحْنُ امْتَدَيْنَا) فُصِل بينهما بالظَّرف: (إذَا نَحْنُ) (لَمْ .. امْتَدَيْنَا) .
وأنَّها قد تُلغَى فلا يُجزم بِها .. (لَمْ) قد تلغى فلا يُجزم بِها، قال في (التَّسهيل) : حملًا على (لاَ) ، وفي (شرح الكافيَّة) حملًا على (مَا) وهو أحسن، لأن (مَا) تنفي الماضي كثيرًا بِخلاف (لا) ، إذًا: يَجوز ألا تعمل.
وتنفرد (لَمَّا) بِجواز حذف مَجزومها والوقف عليها في الاختيار، تقول: قاربت المدينة ولَمَّا أدخلها، يَجوز أن تَحذف المنفي فتقول: قاربت المدينة ولَمَّا .. حذفت ما بعدها، وأمَّا: قاربتُ المدينة ولَمْ .. لا يَجوز، لا بُدَّ أن تقول: ولَمْ أدخلها، لا يحذف مدخول (لَمْ) البتَّة، بخلاف (لَمَّا) ، هذا من الفوارق، والعمدة السَّماع.
فتقول: قاربت المدينة ولَمَّا، أي: ولَمَّا أدخلها، ولا يَجوز ذلك في (لَمْ) .