وكذلك من الجملة الاسمية: الوصف مع مرفوعه المغني عن الخبر، وهذا يدخل في بحثنا: الوصف مع مرفوعه المغني عن الخبر، أقائم الزيدان، وهذا وإن كان في قوة، أيقوم الزيدان -قوة الفعل-؛ لأن اسم الفاعل من حيث اللفظ هو اسم، ومن حيث المعنى هو فعل، وحينئذٍ: أقائم الزيدان، هل هو جملة فعلية أم أنها جملة اسمية؟ نقول: العبرة هنا باللفظ وليس العبرة بالمعنى والعمل، وإن رفع فاعلًا، والاسم في الأصل أنه لا يرفع فاعلًا، لكن نقول هنا: رفع فاعلًا واعتبرناه جملة اسمية، كما أن هيهات العقيق، هيهات اسم ورفع فاعلًا.
إذًا: الوصف مع مرفوعه المغني عن الخبر هذا يعتبر جملة اسمية.
والجملة الفعلية يدخل فيها كذلك الجملة الندائية: يا زيد، وهذا كما سبق أن الفارسي يرى أن هذه الجملة مركبة من حرف واسم، والصواب أنها مركبة من فعل وفاعل والمفعول الذي هو المنادى، وحينئذٍ: يا زيد أصلها: أنادي أو أدعو زيدًا، فأصل الجملة جملة فعلية، وحينئذٍ تحسب في ضمن الجملة الفعلية.
هنا قدم أحكام المبتدأ على أحكام الفاعل تبعًا لسيبويه، فإنه قدم ما يتعلق بالمبتدأ على ما يتعلق بالفاعل، وبعضهم يقدم الفاعل، وبعضهم يقدم المبتدأ، هذا نزاع بين النحاة، أيُّ النوعين أولى بالتقديم؟ هل نقدم المبتدأ وأحكامه وهو مرفوع؟ أو نقدم الفاعل وأحكامه وهو كذلك مرفوع؟
سبب الخلاف في التقديم والتأخير هو خلاف آخر وهو: ما هو الأصل في المرفوعات؟ لا شك أن المرفوعات هذا يعتبر من إعراب العمد، العُمد التي هي الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر، الفعل الذي هو الفعل المضارع المجرد عن ناصب وجازم، وحينئذٍ نقول: أصل المرفوعات هل هو الفاعل أم أنه المبتدأ؟ فمن رجح أنه الفاعل حينئذٍ قدم أحكام الفاعل لأنه أصل والمبتدأ فرع، ومن رجح أن المبتدأ أصل المرفوعات حينئذٍ قدم المبتدأ وأحكامه على الفاعل.
إذًا: هذا التقديم والتأخير، فإن كان في ظاهره أنه من جهة التصنيف وترتيب المسائل إلا أنه مبني على أصل مختلف فيه عند النحاة، أيُّ هذا النوعين أصل في بابه، هل هو المبتدأ أو الفاعل؟ قيل: المبتدأ أصل المرفوعات، ووجهه: أن المبتدأ مبدوء به الكلام، وأنه لا يزول عن كونه مبتدأً وإن تأخر، ابتدئ به الكلام بخلاف الفاعل، الفاعل تقول: قام زيد، لم يبتدأ به الكلام وحينئذٍ جاء في المرتبة الثانية. قام زيد، زيد قائم، أيهما ابتدئ به في الكلام؟ الافتتاح، افتتح بماذا؟ بالمبتدأ، وأما الفاعل فلا يكون إلا بعد فعل، ولا يجوز تقديمه عند البصريين.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإِلاَّ فََضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
إذًا: كون المبتدأ مبدوءًا به في الكلام وأنه يكون مبتدأً وإن تأخر بخلاف الفاعل؛ فإنه يكون متأخرًا، وإذا تقدم على عامله انتقل من كونه فاعلًا إلى كونه مبتدأً، حينئذٍ بتقدمه وتأخره زال عنه الوصف وثبت له الوصف، يثبت له إذا تأخر، ويزول عنه إذا تقدم، أما المبتدأ فلا، تقدم أو تأخر فهو مبتدأ، زيد أخوك، أخوك زيد، فنقول: تقدم أو تأخر، حينئذٍ لا يزول عنه وصف المبتدأ، بخلاف الفاعل.
وأنه عامل ومعمول، هو عامل في الخبر، كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ بِالْمُبْتَدَا.