إذا وقع المبتدأ بعد لولا الامتناعية لأنه معلوم بمقتضاها، إذ هي دالة على امتناع لوجود، فالمدلول على امتناعه هو الجواب: لأكرمتك، الذي دلت على امتناعه هو جوابها، فهو الذي امتنع، لماذا؟ والمدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل: لولا زيد لأكرمت عمروًا، فالمراد وجود زيد منع من إكرام عمرو، حينئذ نقول: الخبر هنا موجود -تقديره موجود- وهذا الوجود نقول: هو متعلق لَوْلا، يعني من حيث المعنى، لأنا نقول: لولا زيد، يعني: لولا وجود زيد، وهذا كون عام، قيد عام، ليس قيدًا خاصًا وليس كونًا خاصًا أو حدثًا خاصًا.
قول ابن مالك:
وَبَعْدَ لَوْلا
أي: الامتناعية.
غَالِبًا: لماذا قال غالبًا؟ احترازًا من لولا في بعض أحوالها، وهي التي لا يكون الوجود فيها وجودًا عامًا، وإنما يكون الحدث والمتعلق حدثًا خاصًا، فهي حينئذ قسمان: بعد لولا في غالب أحوالها يجب حذف الخبر تقديره موجود، وبعد لولا في قلة وهي التي لا يكون كونها كونًا عامًا بل خاصًا، وحينئذ لا بد من التفصيل: إن دل عليه دليل جاز حذفه، وإلا فالأصل أنه يجب ذكره ولا يجوز حذفه.
إذًا: وَبَعْدَ لَوْلا غَالِبًا: نقول: لولا الامتناعية، وهو كون الامتناع معلقًا بها على وجود المبتدأ الوجود المطلق وليس الوجود المقيد. (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ) ) [البقرة:251] أين الجواب؟ (( لَفَسَدَتِ ) ) [البقرة:251] إذًا: نفي الفساد هذا ممتنع، لوجود مدافعة الله تعالى. (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ) )يعني: لولا أن يدفع الله، هذا من إضافة المصدر إلى فاعله.
النَّاسَ: مفعول، أن يدفع الله الناس لفسدت، وحينئذ نقول: انتفى الفساد لمدافعة الله تعالى الناس، هذا وجود مطلق وكون عام أم أنه خاص؟ خاص، لولا دفع الله الناس موجود لفسدت، وحينئذ نقول: هذا كون عام، وهذا الذي أراده هنا. لولا دفع الله الناس موجود، فحذف موجود للعلم به وسد جوابها مسده، فقوله: غالبًا أي: في القسم الغالب منها، إذ هي على قسمين: قسم يمتنع فيه جوابها بمجرد وجود المبتدأ بعدها وهو الغالب، وهذا إذا كان الوجود المراد به الوجود المطلق، يعني: يقدر بموجود فقط، مثل: كائن هناك واستقر.
قلنا: إذا كان الكون عام وجب حذفه، وإذا كان خاصًا مثل: زيد مسافر غدًا، مسافر هذا متعلق غدًا وجب ذكره، هذه لَوْلا مثلها، قد يكون الخبر موجود فقط مطلق، وقد يكون كونًا خاصًا أو حدثًا خاصًا فيجب ذكره. هذا مراد الناظم رحمه الله تعالى، وهذا الصحيح بتوجيه كلامه، لأنه يميل إلى هذا الرأي في غير هذا الكتاب.
إذ هي على قسمين: قسم يمتنع فيه جوابها بمجرد وجود المبتدأ بعدها وهو الغالب، وقسم يمتنع لنسبة الخبر إلى المبتدئ وهو قليل، وذلك إذا كان الامتناع معلقًا على الوجود المقيد وهو غير الغالب، فغير الغالب لا يجب حذف الخبر، بل فيه تفصيل: إن دل دليل عليه بعد حذفه جاز -يجوز ذكره ويجوز حذفه- وهو داخل في قوله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ، وإن لم يدل عليه دليل حينئذ وجب ذكره.